مقالات الظهيرة

د. عادل أحمد إبراهيم يكتب… الحوار الوطني الذي نريد ليس كالثور في مستودع الخزف!!

ان إدارة اي حوار وطني في السودان تتطلب مساراً سودانياً خالصاً ومستقلأ يقوم على الشمول، وليس الاقصاء

ودعوة كافة المكونات السياسية والمدنية والمجتمعية دون استبعاد لأي طرف مؤمن بالحل السلمي والشفافية وبناء الثقة

والبدء في القضايا المتفق عليها لتقليل عدم الثقة ثم الانتقال تدريجيا نحو الملفات ذات الطبيعة الحرجة وربط المخرجات بمصفوفة تنفيذية ملزمة

حتى لا تضاف التوصيات إلى قائمة المبادرات السابقة.

ان اي تدخل عسكري أو مدني نستدعي فيه تعبير الثور في مستودع الخزف وهو تعبير سياسي لوصف الشخصيات أو الكيانات أو التحركات العنيفة غير المدروسة أو المدمرة التي تزيد الأوضاع هشاشة وفوضى في توقيت حرج

تعبر عبارة “الثور في مستودع الخزف” في السياق السياسي السوداني عن حالة التدمير العشوائي والفوضى العارمة التي تسببها أطراف الصراع أو النخب السياسية والعسكرية، حيث يُشبه المتسبب في الأزمة بالثور الذي يدخل مكانًا مليئًا بالأواني الزجاجية أو الخزفية الحساسة فيكسرها كلها لعدم إدراكه لطبيعة المكان أو لحجم الأضرار الناتجة عن حركته العنيفة.

يعد الحديث عن الحوار الوطني في السودان ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في ظل حرب مدمّرة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك النسيج الاجتماعي.

غير أن تجارب الحوار السابقة—من “حوار الوثبة” في عهد النظام السابق إلى المبادرات المتناسلة بعد الثورة—أثبتت أن المشكلة لا تكمن في غياب الدعوات، بل في غياب الشروط. وهنا تكتسب أطروحات البروفيسور باتريك لومومبا أهمية خاصة بوصفها إطارًا نقديًا صارمًا لفهم لماذا فشلت الحوارات، وكيف يمكن تفادي إعادة إنتاج الفشل.

فإعادة إنتاج الفشل في العمل السياسي هي تكرار الأساليب والأخطاء القديمة ذاتها التي تؤدي دائماً إلى ضياع الأهداف العامة وخسارة ثقة المواطنين وتحدث هذه الظاهرة عندما تتجاهل القوى أو الأحزاب السياسية تقييم أخطائها، وتستمر في إدارة الشأن العام بنفس العقلية العقيمة.

ان أبرز أسباب إعادة إنتاج الفشل السياسي هو الإنكار المستمر في رفض الاعتراف بالخطأ ووصفه بتسميات مخففة مثل “تحديات بسيطة” أو “ظروف صعبة” ان تدوير الوجوه القديمة والاعتماد على نفس القيادات والشخصيات التي أخفقت سابقاً، وإظهارها بأشكال أو عناوين جديدة.

هي تقديس لتلك الزعامات الفردية وجعل القرار بيد شخص واحد بدلاً من بناء مؤسسات قوية وقرارات جماعية. كما ان غياب المحاسبة وعدم محاسبة المقصرين أو تقييم النتائج بصدق وشفافية بعد كل استحقاق أو أزمة فيه تضييق وإقصاء البدائل: ان محاربة الكفاءات الجديدة والشباب هو لضمان بقاء النخبة القديمة المسيطرة.

ان اتفاق جوبا للسلام، الذي وُقِّع في أكتوبر 2020 بين الحكومة السودانية الانتقالية وعدد من الحركات المسلحة، يظل أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في التاريخ السوداني الحديث، حيث يراه قطاع واسع من السودانيين والمحللين السياسيين بمنزلة انتكاسة كبرى أسهمت في تعميق الأزمة الوطنية بدلاً من حلها والتي جعلت الكثيرين يصفون هذا الاتفاق بـ “الكارثي” على السودان.

لذا لزاما مراجعة اتفاق جوبا لسلام السودان ليبرز كضرورة سياسية ووطنية في ظل التطورات المتسارعة وتداعيات الحرب الراهنة.

عليه لابد من توافق حول هذه الأجندة الوطنية وتتمثل في الاتي:-

🔴 الحفاظ على وحدة #السودان، وسيادته على كامل أراضيه، ورفض أي شكل من أشكال التجزئة والتقديم.

🔴حصر السلاح بيد الدولة، وبناء جيش وطني احترافي، واعتبار أي تشكيلات مسلحة خارج المؤسسات الرسمية جماعات خارجة عن القانون.

🔴 الإسراع بإعلان دستوري مؤقت يتناسب مع متطلبات المرحلة الانتقالية، ويضمن سد الفراغ الدستوري، بما يسرع عمل أجهزة الدولة السورية.

🔴 ضرورة الإسراع بتشكيل المجلس التشريعي المؤقت، الذي سيضطلع بمهام السلطة التشريعية، وفق معايير الكفاءة والتمثيل العادل.

🔴 تشكيل لجنة دستورية لإعداد مسودة #دستور دائم للبلاد، يحقق التوازن بين السلطات، ويرسخ قيم العدالة والحرية والمساواة، ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات.

🔴 تعزيز الحرية كقيمة عليا في المجتمع، باعتبارها مكسباً غالياً دفع الشعب السوداني ثمنه من دمائه، وضمان حرية الرأي والتعبير.

🔴 احترام حقوق الإنسان، ودعم دور المرأة في كافة المجالات، وحماية حقوق الطفل، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وتفعيل دور الشباب في الدولة والمجتمع.

🔴 ترسيخ مبدأ المواطنة، ونبذ كافة أشكال التمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، بعيداً عن المحاصصة العرقية والدينية.

🔴 تحقيق العدالة الانتقالية، من خلال محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وإصلاح المنظومة القضائية، وسن التشريعات اللازمة، والآليات المناسبة لضمان تحقيق العدالة، واستعادة الحقوق.

🔴 ترسيخ مبدأ التعايش السلمي بين جميع مكونات الشعب السوري، ونبذ كافة أشكال العنف والتحريض والانتقام، بما يعزز الاستقرار المجتمعي، والسلم الأهلي.

🔴 تحقيق التنمية السياسية وفق أسس تضمن مشاركة كافة فئات المجتمع في الحياة السياسية، واستصدار القوانين المناسبة لذلك، والتأكيد على إجراءات العزل السياسي وفق أسس ومعايير عادلة.

🔴 إطلاق عجلة التنمية الاقتصادية، وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة، عبر تبني سياسات اقتصادية تحفيزية، تعزز النمو وتشجع على الاستثمار وحماية المستثمر، وتستجيب لاحتياجات الشعب، وتدعم ازدهار البلاد.

🔴 الدعوة إلى رفع العقوبات الاحادية المفروضة على #السودان، والتي باتت بعد إسقاط النظام تشكل عبئاً مباشراً على الشعب السوداني، ما يزيد من معاناته، ويعيق عملية إعادة الإعمار، وعودة النازحين واللاجئين.

🔴 إصلاح المؤسسات العامة، وإعادة هيكلتها، والبدء بعملية التحول الرقمي، بما يعزز كفاءة المؤسسات، ويزيد فاعليتها، ويساعد على مكافحة الفساد، والترهل الإداري، والنظر في معايير التوظيف على أساس الوطنية والنزاهة والكفاءة.

🔴 ضرورة مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في دعم المجتمع، وتفعيل دور الجمعيات الأهلية لمساندة الجهود الحكومية في إعادة الإعمار، ودعم الدولة لمنظمات المجتمع المدني بما يضمن لها دوراً فاعلاً في تحقيق التنمية والاستقرار.

🔴 تطوير النظام التعليمي، وإصلاح المناهج، ووضع خطط تستهدف سد الفجوات التعليمية، وضمان التعليم النوعي، والاهتمام بالتعليم المهني، لخلق فرص عمل جديدة، وربط التعليم بالتكنولوجيا لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

🔴 تعزيز ثقافة الحوار في المجتمع السوداني، والاستمرار في الحوارات على مختلف الأصعدة والمستويات، وإيجاد الآليات المناسبة

🔴 تخليداً لذكرى الشهداء الذين بذلوا أرواحهم حتى ننال حريتنا، ولكل الجرحى والمعتقلين والمغيبين والمهجرين وأهليهم وذويهم، ولكل من قدم التضحيات من الشعب السوداني، فإن يمثل عهداً وميثاقاً وطنياً تلتزم به كافة القوى الفاعلة، وهو خطوة أساسية في مسيرة بناء الدولةالسودانيةالجديدة، دولة الحرية والعدل والقانون والسلام

اخيرا أن الحوار الوطني يتطلب وعيا وطنياً عميقاً وحرصاً شديداً على ما تبقى من مؤسسات البلاد لكي لا يكون كالثور في مستودع الخزف كما ابتدرت آنفا

فالشمولية وعدم الإقصاء هو الهدف لاشراك الجميع، ويجب أن يضم الحوار كل القوى المدنية والوطنية الحقيقية دون استثناء غير مبرر.

مع تمثيل الشباب والمرأة وإعطاء مساحة حقيقية للفئات التي تحملت العبء الأكبر من الأزمة ووعثاء الحرب

واستصحاب الحكمة والهدوء وتجنب الخطاب العدائي:

والابتعاد عن لغة التخوين والاقصاء والشروط المسبقة المعقدة.

يجب إدارة الخلافات بلطف والتعامل مع القضايا الشائكة بمسؤولية وحذر شديدين فهي لحماية النسيج المجتمعي.

فالأولوية الملحة الان لوقف الحرب و ربطها مع أي مسار سياسي يفضي الى تداول سلمي للسلطة، وبالوقف الفوري لمعاناة المدنيين والتركيز على الثوابت الوطنية وجعل المصلحة الوطنية العليا هي البوصلة الأساسية لجميع الأطراف.

د.عادل أحمد إبراهيم

داناكوم للخدمات الإعلامية

الخرطوم-لندن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى