مقالات الظهيرة

جوزيف لاقو.. رحيل آخر المؤمنين بوحدة السودان

بقلم: علاء الدين محمد ابكر:

توفي يوم الثلاثاء جوزيف لاقو يانغا، الرئيس السابق للمجلس التنفيذي الأعلى لإقليم جنوب السودان، ونائب رئيس جمهورية السودان الأسبق، وفق ما أعلنت وسائل إعلام في جوبا، ليرحل بذلك آخر جيل العمالقة الذين آمنوا بأن السودان يمكن أن يسع الجميع، وأن الوحدة يمكن أن تكون جاذبة إذا توفرت لها الإرادة والعدالة.

 

إن سيرة جوزيف لاقو ليست سيرة رجل عادي، بل هي سيرة السودان كله بكل تناقضاته وآماله وانكساراته. فقد بدأ حياته ضابطا في القوات المسلحة السودانية في الفترة من 1960 إلى 1963، وتخرج في الكلية الحربية السودانية، وحمل نفس الشعار الذي يحمله كل ضباط الجيش السوداني، الولاء لله والوطن. لكنه كجنوبي كان يرى بوعي مبكر أن هناك خللا كبيرا في إدارة التنوع في الدولة السودانية الوليدة بعد الاستقلال، وأن أهل الجنوب يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.

 

فعندما انسدت أمامه طرق الإصلاح من الداخل، اتخذ القرار الأصعب في حياة أي ضابط، أن يتمرد على جيشه الذي أحبه، وأن يقود حركة الأنانيا في غابات الاستوائية، ليصبح خلال سنوات قليلة القائد العام لقوات الأنانيا والرمز الأول لنضال الجنوب في الحرب الأهلية الأولى التي استمرت من 1955 إلى 1972. ورغم قيادته للتمرد، كان لاقو يختلف جذريا عن كل من جاء بعده من قادة التمرد الجنوبي، فهو لم يكن يحمل حقدا على الشمال كشعب أو كثقافة، ولم يكن يدعو إلى انفصال، بل كان يقاتل من أجل سودان جديد يسع الجميع.

 

وهنا تكمن عبقرية هذا الرجل، فقد كان أول من أدرك أن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وأن الحل السياسي هو الحل الوحيد. فقاد بنفسه مفاوضات شاقة مع حكومة الرئيس جعفر نميري، والتي توجت باتفاقية أديس أبابا التاريخية في 27 فبراير 1972. تلك الاتفاقية التي أنهت 17 عاما من الحرب، ومنحت جنوب السودان حكما ذاتيا إقليميا كاملا، بمجلس تنفيذي ومجلس تشريعي وجيش خاص للجنوب يندمج فيه مقاتلو الأنانيا مع القوات المسلحة.

 

وكانت اتفاقية أديس أبابا هي العصر الذهبي للعلاقة بين الشمال والجنوب، حيث عاد مئات الآلاف من اللاجئين والنازحين، وبنيت المدارس والطرق، وساد السلام ربوع الجنوب لأكثر من عشر سنوات. وكان لاقو هو أول رئيس للمجلس التنفيذي الأعلى للإقليم الجنوبي، ثم عين بعد ذلك قائدا للقيادة الجنوبية في عام 1974 برتبة لواء، في رسالة واضحة بأن الجيش السوداني هو جيش لكل السودانيين.

 

ثم جاءت قمة مسيرته عندما تم تعيينه نائبا لرئيس جمهورية السودان في الفترة من 1980 وحتى 1985، ليصبح بذلك أعلى منصب تنفيذي يصل إليه جنوبي في تاريخ السودان الموحد. وخلال تلك الفترة، كان لاقو صوت العقل والحكمة داخل مجلس الوزراء، وكان دائما يدعو إلى الالتزام باتفاقية أديس أبابا وعدم المساس بها، ويحذر من أن أي تراجع عن الحكم الذاتي سيؤدي إلى انفجار الأوضاع مرة أخرى، وهو ما حدث بالفعل.

 

يعتبر جوزيف لاقو آخر المسؤولين الكبار من جنوب السودان المؤمنين بوحدة السودان إيمانا راسخا لا يتزعزع. فرغم أنه قاد التمرد وحمل السلاح، إلا أنه ظل يرفض بشكل قاطع فكرة تقسيم البلاد. وكان يرى أن مشكلة الجنوب ليست مشكلة انفصال، بل مشكلة عدالة في توزيع السلطة والثروة، ومشكلة احترام للتنوع الثقافي والديني، فأهل الجنوب لهم ثقافتهم الأفريقية ولهم ديانتهم المسيحية ومعتقداتهم المحلية، وهذا التنوع يجب أن يكون مصدر قوة للدولة لا مصدر ضعف، وكان يقول دائما إن السودان لا يمكن أن يحكم بعقلية ثقافية واحدة.

 

عاش الفريق جوزيف لاقو وعاصر كل تاريخ السودان الحديث عقب الاستقلال في العام 1956، وشاهد الحكومات العسكرية والمدنية، وشاهد انتفاضة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، وشاهد انهيار الديمقراطيات وصعود الشموليات، وخبر السياسة المحلية والعالمية وتقلبات الحرب الباردة.

 

وعندما جاءت لحظة الحقيقة التاريخية في استفتاء تقرير مصير جنوب السودان في يناير 2011، كان لاقو من القلائل الذين آلمهم خيار الانفصال لكنهم احترموه. فقد ترك رأيه الشخصي المؤمن بالوحدة جانبا، وقال إن الخيار الأول والأخير هو خيار شعب جنوب السودان، فإذا اختار الشعب الانفصال فهذه إرادته ويجب احترامها، في موقف ديمقراطي نبيل لا يقدر عليه إلا الكبار.

 

لا نريد اليوم الخوض في الأسباب والظروف التي قادت إلى انفصال جنوب السودان، فقد أصبح كل شيء في ذمة التاريخ، وسيحكي التاريخ للأجيال القادمة بكل صدق وأمانة، من الذي فرط في الوحدة، ومن الذي تمسك بها، ومن الذي ظلم ومن الذي ظلم، ومن الذي جعل الوحدة طاردة بعد أن كانت جاذبة.

 

لكن الرسالة الأهم اليوم بعد رحيل هذا الرجل العظيم، هي أن العلاقة ما بين شمال السودان وجنوب السودان يجب أن تظل نظيفة من الأحقاد والضغائن والكراهية. فما حدث قد حدث، والتاريخ لا يعود إلى الوراء. ومن حق الأجيال الجديدة هنا في الخرطوم وهناك في جوبا أن تعيش في سلام ووئام بعيدا عن حروب الأمس ودماء الأمس وثارات الأمس.

 

ومن حقها أن تتطور العلاقة بين البلدين إلى مستوى أفضل من الأخوة والتكامل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فللبلدين تاريخ مشترك لا يمكن محوه ولا إنكاره في السياسة والثقافة والفن والرياضة والوجدان الشعبي. فكم من أغنية غناها جنوبي لمطرب شمالي ، وكم من مباراة جمعت الهلال والمريخ بفرق من جوبا وواو وملكال، وكم من علاقات نسب ومصاهرة وأخوة لا تزال قائمة إلى اليوم.

 

وكما حزن شعب جنوب السودان، خاصة الأجيال القديمة التي عاصرت لاقو وجاهدت معه في غابات الأنانيا وبكت معه فرحا يوم اتفاقية أديس أبابا، على رحيل الفريق جوزيف لاقو، حزن كذلك أهل الشمال من الأجيال القديمة عليه، فالرجل تقلد يوما منصب نائب رئيس جمهورية السودان، وكان جزءا أصيلا من ذاكرة الدولة السودانية، وكان رمزا لوحدة كان يمكن أن تستمر لو خلصت النوايا وصدقت العزائم.

 

فلتكن مناسبة رحيل جوزيف لاقو مدخلا صادقا وفرصة أخيرة لطي صفحة سلبيات الماضي ما بين البلدين، وفتح جسور الحب والسلام وبناء الثقة من جديد، لا من أجلنا نحن جيل الحروب، بل من أجل الأجيال القادمة التي تستحق أن ترى سودانا وشمالا وجنوبا متعاونين لا متحاربين، متحابين لا متباغضين.

 

رحم الله الفريق جوزيف لاقو يانغا بقدر ما أحب وطنه كبيرا موحدا، وبقدر ما حلم بسودان يسع الجميع، وأسكنه فسيح جناته بقدر ما قدم لشعبه شمالا وجنوبا.

 

علاء الدين محمد ابكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى