بشير الامين ود شيخ الامين يكتب…. موت الركن!!

فقدنا اليوم ركناً من أركان القرية .
انكسر اليوم عمودٌ كان يسند القرية .
سقط اليوم جبلٌ كان الناس يتكئون عليه إذا مالت بهم الدنيا.
مضى الخال والجد والاب والعم عبدالباقي سعيد عبدالله، ومضى معه معنى كثير من الثبات.
يا حسرة القلب على من مضى…
مضى الذي كان إذا دخل المسجد ابتسمت له السواري.
مضى الذي كانت الملائكة تكتب اسمه أول الحاضرين.
*ثمانون عاماً*…
وهو يقطع الطريق إلى الله ولا يلتفت.
فجراً والدنيا نيام… وهو في الصف الأول.
حراً وبرداً… وثيابه للمسجد لا تتغير.
قالوا له: كبرت، قال: وربي لا يزال حياً لا يموت.
اليوم مات المسجد قبل الرجل.
لأن زاوية كانت تعرفه صارت خالية.
صفٌ أول ناقص رجلاً.
وسجادةٌ بردت لأن جبيناً ألفها غاب.
أي رجل هذا الذي جعل بينه وبين الله عقداً لا يفكه موت ولا حياة؟
كان إذا سمع “حي على الفلاح” ترك الدنيا بما فيها وركض.
لأنه كان يعلم يقيناً أن الفلاح هناك، لا هنا.
كان عبدالباقي باباً موصداً دون القطيعة، مفتوحاً للصلة.
كان خيطاً واحداً يخيط الشمل كلما تمزق.
لا يمر يوم إلا ويسأل عن قريب، ولا تمر شدة إلا وكان سباقاً لجبرها.
إذا زعل اثنان أصلح بينهما.
إذا جاع بيتٌ ستره، وإذا مرض قريبٌ بكى عليه قبل أهله.
انقطع اليوم حبلٌ كان يشد الجميع ببعض.
اليوم صار بيت عبدالباقي بيت عزاء…
بعد ما كان بيت كرم وضيافة، وبيت عزاء للناس كلها.
من بعدك من يسأل ؟
من بعدك من يجمعهم إن تفرقو؟
يا له من اسم صدق فيك: عبدالباقي.
فنيت الدنيا وبقيت أنت فينا.
فنيت أجسادٌ كانت أضخم منه، وذهبت أموالٌ كانت أكثر منه، وبقي هو.
بقي في دعوة أم علمتها كيف تتوضأ.
بقي في ولد يتيم كنت أباه.
بقي في مسجد شهد لك عند الله يوم القيامة.
أنت لم تمت .
أنت انتقلت من دار الفناء إلى دار البقاء.
أنت لم تُدفن، أنت زُرعت.
وزرعك هذا سيخرج شجراً في الجنة اسمه: “صبر عبدالباقي على الصلاة”.
يا قبرُ رفقاً به.
أتدري من نزل بك اليوم؟
نزل بك رجلٌ ما عرف ظهره إلا السجود.
نزل بك رجلٌ ما مشى إلا إلى المساجد.
نزل بك رجلٌ ما أكل الحرام لقمة، وما نام عن فريضة ليلة.
يا تراب القرية، احفظه.
هذا جسدٌ توضأ به *ثمانين سنة*.
هذا جبينٌ طبع على الأرض سجوداً أكثر من نوم.
يا قبرُ إن كنت تحب الله فتوسع له، وإن كنت تخاف الجبار فأكرم ضيفه.
نوّر له ظلمتك بنور الفاتحة التي كان يقرؤها كل يوم.
اسألوا الفجر عنه: من كان يوقظه؟
اسألوا المنبر عنه: من كان يخشع له؟
اسألوا التراب الذي مشى عليه: هل اشتاق لخطاه؟
يا عبدالباقي…
لو كان للموتى كلام لقلت لك:
سامحنا إن قصرنا معك وأنت حي.
سامحنا إن ما قدرنا قدرك إلا وأنت تحت التراب.
كنت تمشي على الأرض ميتاً ونحن أحياء، لأن قلبك كان معلقاً بالله.
واليوم متّ وأنت حي عند ربك، لأن الله قال: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً”
وأنت قتلت نفسك في سبيل الصلاة كل يوم.
اللهم إن عبدك عبدالباقي جاءك ببضاعة مزجاة.
بضاعته: عمرٌ في المساجد، ورحمٌ موصولة، وقلبٌ سليم.
ظهره ما حمله إلا إلى المساجد.
وميزانه ما فيه إلا سجدات ورحم موصولة.
اللهم فلا ترده خائباً.
اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن إساءته بكرمك.
اللهم اجعل كل تكبيرة كبرها في المسجد شجرة له في الجنة.
واجعل كل خطوة خطاها إلى الصلاة نوراً بين يديه يوم القيامة.
واجعل كل رحمٍ وصلها باباً من أبواب الجنة الثمانية يُفتح له وحده.
اللهم اجعل قبره روضة لأنه كان روضة للمصلين.
اللهم آنس غربته، وآمن روعته، ووسع مدخله.
اللهم لا تحرمه لذة النظر إلى وجهك الكريم، كما لم تحرمه لذة السجود لك في الدنيا.
اللهم اجمعنا به على منابر من نور، يوم ينادي المنادي: “أين جيران المساجد؟” فيقوم عبدالباقي في الصف الأول كما كان.
… يا أبا القلب الطيب
رحلت وتركتهم أيتاماً وإن كانو كباراً.
لأن الرجال قليل، والصالحون منهم أقل، وأنت كنت من الأقل من القليل.
من بعدك من يذكرهم بالصلاة؟
من بعدك من يجمعهم في العيد؟
من بعدك من بعدك من ؟؟؟؟؟؟
البكاء غلبنا، والدمع فضحنا، والكلام خانني، والدعاء هو كل ما أملك لك الآن.
ولكن عزاؤنا أنك ذهبت إلى أرحم الراحمين.
مضى عبدالباقي سعيد عبدالله…
مضى رجلٌ كانت المساجد بيته، والرحم وصيته، والسجود عمره.
*ثمانون عاماً* لم يغب عن صف، واليوم غاب عنا فغابت معه البركة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
اللهم ارحم عبدالباقي سعيد عبدالله رحمة تطمئن بها نفسه، وتقر بها عينه، وتنسيه مرارة الدنيا، وتبلغه الفردوس الأعلى بلا حساب ولا عذاب.
اللهم لا تفتنا بعده، ولا تحرمنا أجره.



