المسيرات الإثيوبية التي تقتل وتحطم البنية التحتية وبأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية…. حين تصبح سماء السودان مستباحة.. أين سيادة الدولة وأين ضمير العالم؟

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعيدة أحمد علي عباس
المسيرات الإثيوبية التي تقتل وتحطم البنية التحتية وبأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية؟
الجزء الأول: حين تصبح سماء السودان مستباحة.. أين سيادة الدولة وأين ضمير العالم؟
ليس من السهل على وطنٍ أثقلته الحروب، وأرهقته المحن، وشُرّد أبناؤه من ديارهم، أن يجد نفسه أمام تهديد جديد يستهدف ما تبقى من مقومات حياته ومؤسساته وبنيته التحتية. وليس من العدل أن يُترك شعبٌ يدفع ثمن حربٍ فُرضت عليه، ثم يجد نفسه مضطراً إلى مواجهة أخطار تتجاوز حدود جبهات القتال إلى محطات الكهرباء والمطارات ومستودعات الوقود والمرافق المدنية.
إن السودان الذي يخوض معركة وجودية في مواجهة تمرد مليشيا الدعم السريع الإرهابية، يجد نفسه اليوم أمام اتهامات خطيرة تتعلق بانطلاق مسيّرات من الأراضي الإثيوبية لاستهداف مواقع ومنشآت داخل أراضيه. وهي اتهامات تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً، لا الاكتفاء بتبادل التصريحات أو تجاهل خطورة ما يترتب عليها.
لقد تحدثت السلطات السودانية عن استهداف منشآت حيوية، من بينها مرافق كهربائية وخطوط نقل ومحطات تغذية ومحولات، كما شملت الاتهامات منشآت في مطار الخرطوم ومستودعات وقود ومناطق سكنية آمنة في ولاية النيل الأزرق ومناطق أخرى.
وتحدثت تقارير ومعلومات متداولة عن أضرار طالت أكثر من أربع وعشرين محطة كهربائية، وهي أرقام ينبغي إخضاعها لحصر فني مستقل وتوثيق رسمي، حتى يعرف العالم حجم ما أصاب السودان، وحتى لا تضيع الحقيقة بين الأرقام المتداولة والوقائع المثبتة.
أيها النظام الإثيوبي.. بأي حق تُستباح سيادة الجار؟
إن الجوار ليس مجرد حدود جغرافية تفصل بين دولتين، وإنما مسؤولية تاريخية وأخلاقية وقانونية. والسودان وإثيوبيا ليسا دولتين التقتا مصادفة على خارطة إفريقيا؛ إنهما بلدان تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، والنيل الأزرق، والحدود الممتدة، والروابط الإنسانية بين الشعبين.
لقد كان السودان، وما زال، وطناً فتح أبوابه للأشقاء الإثيوبيين الذين دفعتهم الحروب والمجاعات والظروف الطبيعية إلى طلب الأمان والعيش الكريم. تقاسم معهم السودانيون الخبز والماء والمأوى، ولم يجعلوا من معاناتهم مادة للمزايدة السياسية أو الانتقاص الإنساني.
فهل يكون جزاء هذا المعروف أن يجد السودان نفسه أمام اتهامات باستغلال أراضي الجوار في تهديد أمنه واستهداف منشآته؟
نحن لا نخاصم الشعب الإثيوبي، ولا نحمّله مسؤولية سياسات حكومته، ونؤكد احترامنا لتاريخه وحقه في الأمن والاستقرار. ولكننا نخاطب الحكومة الإثيوبية بوضوح: إن العلاقات بين الدول لا تستقيم بازدواجية المعايير، ولا يجوز أن تتحول انشغالات السودان الداخلية إلى فرصة للضغط عليه أو المساس بسيادته.
إن الكهرباء ليست أسلاكاً ومحولات.. إنها حياة شعب.
حين تتعرض محطة كهرباء للدمار، لا تتوقف الخسارة عند ثمن المحطة أو المحول؛ بل تمتد إلى المستشفى الذي ينتظر فيه مريضٌ جهازاً يعمل، وإلى محطة المياه التي تمد المدن والقرى بحاجتها، وإلى المصنع الذي يعيل مئات الأسر، وإلى المخبز الذي ينتظر المواطن منه قوت يومه.
إن تدمير البنية التحتية يعني تعطيل الإنتاج، وإضعاف الاقتصاد، وزيادة أعباء المعيشة، وحرمان المواطنين من الخدمات الأساسية. وهو ضرر تتجاوز آثاره اللحظة العسكرية إلى مستقبل الأجيال، وقد يمتد سنوات إذا لم تتوفر الموارد اللازمة لإعادة البناء والتأهيل.
وهنا نسأل: أين المؤسسات الدولية التي تراقب مثل هذه الاعتداءات؟ وأين التقارير التي تحصي الأضرار التي تلحق بالمدنيين؟ وأين لجان تقصي الحقائق التي يفترض أن تنتقل إلى المواقع المتضررة وتستمع إلى الشهود وتفحص الأدلة الفنية؟
رسالتنا إلى مجلس الأمن الدولي:
إن المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من ميثاق الأمم المتحدة تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي.
وعليه، فإننا نطالب مجلس الأمن بالنظر الجاد في الشكاوى السودانية، والتحقق من الأدلة المتعلقة بمسارات المسيّرات ومصادر إطلاقها، وتحديد المسؤوليات، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار أي اعتداء يثبت وقوعه.
ورسالتنا إلى الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الإفريقي:
إن أمن إفريقيا لا يمكن أن يُبنى على تجاهل أمن السودان، ولا يجوز أن يصبح مبدأ حسن الجوار شعاراً يُرفع في المؤتمرات ثم يُنسى عند وقوع الأزمات.
إن مسؤوليتكم تقتضي الاستماع إلى السودان، والتحقيق في الوقائع، والعمل على حماية الحدود والسيادة، ومنع تحول أراضي الدول الإفريقية إلى منصات للاعتداء على جيرانها.
ورسالتنا إلى الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية:
إن استهداف المرافق التي يعتمد عليها المدنيون يثير مخاوف إنسانية وقانونية بالغة. ونطالب برصد الأضرار التي لحقت بالمستشفيات ومحطات المياه والكهرباء والمرافق المدنية، وتوثيق آثارها على السكان، وضمان حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين متى ثبتت مسؤوليتهم.
كما ندعو اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مواصلة جهودها في حماية المدنيين وتعزيز احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
أما الحكومة السودانية، فنقول لها:
إن الدفاع عن السيادة لا يكون بالتصريحات وحدها، وإنما ببناء ملف قانوني ودبلوماسي متكامل، تُجمع فيه الأدلة، وتوثق فيه الأضرار، وتُعرض فيه الوقائع على المؤسسات الدولية المختصة.
لا تجعلوا السودان يكتفي بتسجيل الشكاوى؛ بل تابعوا كل شكوى حتى تصل إلى نتيجة، واستعينوا بالخبرات الوطنية والدولية، واجعلوا حماية المواطن ومقدرات الدولة أولوية لا تقبل التأجيل.
ونؤكد أن حق الدفاع عن النفس الذي يقره ميثاق الأمم المتحدة ليس تفويضاً مفتوحاً باستهداف المنشآت المدنية أو إلحاق الأذى بالشعوب. فالحقوق تُمارس في إطار الضرورة والتناسب والقواعد القانونية، لا بمنطق الانتقام أو توسيع دائرة الدمار.
إننا لا نريد حرباً جديدة، ولا نبحث عن خصومة مع الشعب الإثيوبي، وإنما نطالب بوقف أي اعتداء يثبت وقوعه، والتحقيق المستقل، واحترام سيادة السودان، وضمان عدم تكرار ما يهدد أمن مواطنيه.
السودان ليس أرضاً بلا أصحاب، وليس وطناً بلا كرامة، وليس دولةً يجوز اختبار صبرها كلما اشتدت عليها المحن.
إن صبرنا ليس عجزاً، وحكمتنا ليست ضعفاً، وحرصنا على علاقات الجوار لا يعني التفريط في حقوق الوطن.
يتبع في الجزء الثاني: إثيوبيا وذاكرة المعروف.. هل تنكرت الحكومة الإثيوبية لتاريخ الأخوة والجوار؟ وما علاقة التصعيد الأخير بمسؤولية أديس أبابا عن حماية أراضيها واحترام سيادة السودان؟



