اختراق برلين.. هندسة “استخبارات المليشيا “تقوض نزاهة التمثيل الدولي

الظهيرة – تقرير :خاص :
تتكشف ملامح أزمة ثقة حادة تحيط بكواليس التحضير لملتقى برلين، إثر تسرب معطيات موثقة تشير إلى سطوة أمنية مارستها استخبارات المليشيا على مسودة الوفود المرشحة. لم يقتصر الأمر على مجرد التنسيق الفني، بل تجاوز ذلك إلى فحص عقائدي للمواقف الشخصية واستبعاد القوى المدنية التي لا تتبنى الرواية الأحادية. هذا السلوك يضع مصداقية المحفل الدولي على المحك، ويحول المداولات من منصة للحوار الوطني العريض إلى مسرح لتمرير أجندة عسكرية مغلفة بواجهة مدنية مهندسة سلفاً خلف الستار المظلم.
■ رصد أمني:
تغلغلت العناصر الاستخباراتية في تفاصيل القوائم الأولية لضمان خلوها من أي صوت يعارض توجهات البنادق، حيث خضعت الأسماء التي قدمها الطاهر حجر وسليمان صندل لمراجعة أمنية دقيقة قبل اعتمادها، مما ينسف مبدأ استقلالية القرار المدني ويجعل من الكيانات السياسية مجرد واجهات لتنفيذ رغبات الغرف العسكرية المظلمة التي تسعى للهيمنة على المشهد الدبلوماسي بالكامل وتجييره لمصالحها الضيقة بعيداً عن الشفافية الوطنية.
■ فحص رقمي:
اعتمدت المليشيا منهجاً بوليسياً في مراقبة النشاط الشخصي للمرشحين على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت “اللايكات” والتعليقات العابرة إلى صكوك غفران أو قرارات إقصاء فورية، مما يعكس رغبة في حصار الفضاء العام وتأميم الآراء الشخصية، وتحويل الحق في التعبير إلى تهمة تستوجب الحرمان من المشاركة في صناعة القرار الوطني، وهو ما يعيد إنتاج عهود الاستبداد التي ثار ضدها الشعب السوداني طويلاً.
■ تصفية المواقف:
برز استهداف مباشر لكل من أبدى تعاطفاً أو موقفاً مسانداً لأحداث “دار زغاوة”، حيث اعتبرت الاستخبارات أن كشف الحقيقة في تلك المناطق خروجاً عن النص السياسي المفروض، مما أدى لاستبعاد كفاءات وطنية وازنة بدعوى عدم الاتساق الإعلامي، وهو إجراء يهدف لإخفاء الحقائق الميدانية عن عيون المجتمع الدولي، وضمان أن يكون الوفد المشارك متحدثاً بلسان واحد يبرر الانتهاكات ويغض الطرف عن معاناة الضحايا في مناطق التماس الملتهبة.
■ تقويض الاستقلال:
يمثل هذا التدخل السافر اعتداءً على جوهر التعددية السياسية، حيث تحول تشكيل الوفد من عملية توافقية مدنية إلى “عملية أمنية” تهدف لضمان الولاء التام والتبعية المطلقة، مما يحرم المؤتمر من سماع الأصوات الحرة التي تعبر عن وجع الواقع الميداني الحقيقي، ويجعل من التمثيل المدني مجرد ديكور خارجي لإخفاء القبضة الاستخباراتية التي تتحكم في مسارات الحوار وتحدد سقف النقاش بما لا يتجاوز الخطوط الحمراء للمليشيا.
■ قمع الحريات:
اتخاذ المنشورات الشخصية يعد معياراً للحرمان من المشاركة السياسية يمثل خرقاً جسيماً للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويحول المليشيا إلى وصي قسري على ضمائر الفاعلين السياسيين والناشطين، وهو سلوك يندرج ضمن أنماط إساءة استعمال السلطة والنفوذ الأمني لترهيب الخصوم، مما يخلق بيئة من الخوف تمنع القوى المدنية من ممارسة دورها الطبيعي في تمثيل تطلعات الشارع السوداني بعيداً عن وصاية البنادق وأجهزتها.
■ تزييف التمثيل:
تسعى المليشيا عبر هذه الهندسة الأمنية لخلق “وفد كرتوني” يتماهى مع خطابها الحربي، مما يؤدي للإضرار بنزاهة المداولات وفقدان الثقة في النتائج؛ فالحوار الذي يُبنى على الإقصاء المسبق لا يمكن أن ينتج حلولاً مستدامة أو سلاماً حقيقياً، بل يعيد إنتاج الأزمة بقالب دبلوماسي زائف يهدف لخداع المجتمع الدولي وإعطاء انطباع مضلل بوجود إجماع مدني خلف مشروع عسكري يفتقر لأبسط مقومات الشرعية الوطنية والشعبية.
■ إضعاف الشرعية:
إن مخرجات أي مؤتمر تُبنى وفوده بناءً على معايير الولاء الاستخباراتي لا الكفاءة الوطنية ستكون فاقدة للشرعية الأخلاقية والقانونية أمام الشعب السوداني، حيث سيتضح للعالم أجمع أن المشاركين لا يمثلون تطلعات الضحايا أو المطالبين بالعدالة، بل يمثلون رغبات الغرف الأمنية التي هندست وجودهم ليكونوا مجرد أدوات لتمرير أجندات سياسية مشبوهة تهدف لشرعنة وجود المليشيا وفرضها كطرف أصيل في مستقبل البلاد السياسي.
■ ضبط المجال:
تبرهن هذه الوقائع على وجود نمط منهجي يهدف لإعادة تشكيل المجال السياسي السوداني قسرياً، حيث يتم تغييب الشفافية لصالح التعتيم الأمني المتعمد، مما يعزز بيئة الإقصاء السياسي ويقطع الطريق أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي يحترم حرية الاختلاف وحق الجميع في المشاركة، ويؤكد أن عقلية المليشيا لا تزال مرتهنة لمنطق القوة والسيطرة، وهي أبعد ما تكون عن قيم الحوار والتعايش السلمي الذي ينشده السودانيون.
■ بشارة النصر:
عموما ، يمثل هذا العبث الاستخباراتي بقائمة برلين انتكاسة كبرى لقيم النزاهة والعدالة السياسية. إن تحويل المحافل الدولية إلى منصات إقصائية يعزز من بيئة الاحتقان ويعرقل مسار التوافق الوطني الشامل. المصلحة الوطنية تقتضي حماية هذه المداولات من التغول الأمني وضمان تمثيل يعكس تباين الرؤى لا تطابقها القسري، لضمان مخرجات تتسم بالنزاهة والقبول الشعبي، بعيداً عن ضغوط البندقية والرقابة الاستخباراتية التي تخنق صوت الحقيقة والكرامة الوطنية.



