(أذان صاغية) اتفاق جوبا وإعادة تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي.. توزيع المقاعد وأثره على السلطة التشريعية

بقلم: د. عامر إبراهيم محمد المحامي
خبير في القانون الدولي الإنساني
لم يكن اتفاق جوبا لسلام السودان الموقع في 3 أكتوبر 2020 مجرد اتفاق لإنهاء النزاعات المسلحة ومعالجة آثار الحرب، وإنما امتدت آثاره إلى إعادة ترتيب هياكل السلطة الانتقالية، وإدخال تعديلات مهمة على الوثيقة الدستورية لسنة 2019، شملت مجلس السيادة ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي الانتقالي.
ومن أبرز هذه التعديلات ما يتعلق بتكوين المجلس التشريعي وتوزيع مقاعده، حيث خصص اتفاق جوبا لأطراف العملية السلمية الموقعة عليه نسبة 25% من عضوية المجلس، بما يعادل 75 مقعداً من مجموع 300 مقعد.
وهذا الترتيب يثير أسئلة دستورية وقانونية مهمة تتعلق بطبيعة هذه الحصة، وكيفية توزيع بقية المقاعد، ومدى تأثير الاتفاق على التوازن داخل السلطة التشريعية.
أولاً: الأساس الدستوري لمشاركة أطراف اتفاق جوبا
أكدت المادة (79) من الوثيقة الدستورية المعدلة لسنة 2020 أن اتفاق جوبا لسلام السودان، الموقع في 3 أكتوبر 2020، يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الوثيقة الدستورية.
وهذا الإدماج منح اتفاق السلام مكانة دستورية، ولم يعد مجرد اتفاق سياسي مستقل عن البناء الدستوري للدولة.
وبالتالي فإن الأحكام المتعلقة بتوزيع السلطة والمشاركة في المؤسسات الدستورية أصبحت واجبة الاعتبار عند تفسير النصوص المنظمة لتكوين مؤسسات الحكم الانتقالي.
ثانياً: نسبة 25% في المجلس التشريعي
نص اتفاق جوبا على تمثيل أطراف العملية السلمية الموقعة عليه بنسبة 25% من المجلس التشريعي الانتقالي، أي 75 مقعداً من مجموع 300 مقعد.
وتكتسب هذه النسبة أهمية خاصة لأنها حددت عدداً واضحاً من المقاعد لأطراف السلام، بدلاً من ترك مشاركتها لتقديرات سياسية عامة أو تفاهمات غير محددة.
وقد ارتبط هذا التمثيل بهدف إدماج الأطراف التي حملت السلاح في العملية السياسية والمؤسسات المدنية، وتحويل اتفاق السلام إلى مشاركة فعلية في إدارة الدولة وصناعة القرار التشريعي.
ثالثاً: كيف أعيد ترتيب المقاعد؟
قررت المادة (24/3) من الوثيقة الدستورية المعدلة أن تكون نسبة 67% من عضوية المجلس من اختيار قوى إعلان الحرية والتغيير، وأن تكون نسبة 33% من اختيار القوى الأخرى التي لم توقع إعلان الحرية والتغيير، مع النص على تمثيل أطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا بنسبة 25%، بما يعادل 75 مقعداً من إجمالي 300 مقعد.
وهنا تبرز مسألة قانونية تستحق التفسير الدقيق.
فإذا اعتبرنا نسبة 25% حصة مخصصة داخل الجزء المقرر للقوى الأخرى، فإن التوزيع الحسابي على أساس 300 مقعد يكون على النحو الآتي:
– 201 مقعد لقوى إعلان الحرية والتغيير، وفق نسبة 67%.
– 75 مقعداً لأطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا.
– 24 مقعداً لبقية القوى الأخرى، وفق القراءة الحسابية التي تضع حصة أطراف السلام ضمن الجزء المتبقي.
وهذه القراءة تحقق التوفيق بين النسب الواردة في النص، وتحافظ على الحد الأقصى لعضوية المجلس، وهو 300 عضو.
لكنها تظل قراءة تفسيرية للتوفيق بين الأحكام، ويجب عند تطبيقها الرجوع إلى الصياغة الرسمية الكاملة للنصوص واتفاق جوبا وآليات الاختيار التي أقرتها الأطراف، وعدم التعامل مع الحساب وحده باعتباره بديلاً عن التفسير القانوني.
رابعاً: أثر الاتفاق على السلطة التشريعية
أدى تخصيص 75 مقعداً لأطراف العملية السلمية إلى تغيير طبيعة التمثيل داخل المجلس التشريعي، إذ أصبح اتفاق السلام أحد الأسس الدستورية لتوزيع العضوية.
وهذا التغيير له عدة آثار:
أولاً: إدخال أطراف السلام في مؤسسة التشريع والرقابة، بما يضمن حضورها في مناقشة القوانين والسياسات العامة.
ثانياً: إعادة ترتيب التوازن السياسي داخل المجلس، بما يؤثر في تكوين اللجان المتخصصة والمواقف المتعلقة بالتشريعات والموازنة العامة.
ثالثاً: توسيع قاعدة المشاركة في السلطة التشريعية لتشمل أطرافاً كانت مشاركتها في السابق مرتبطة بمفاوضات السلام والتسويات السياسية.
رابعاً: ربط شرعية توزيع المقاعد بالالتزامات الدستورية الواردة في اتفاق جوبا، بما يوجب مراعاة تلك الالتزامات عند تشكيل المجلس.
خامساً: هل تمنح نسبة 25% سلطة تشريعية مستقلة لأطراف اتفاق جوبا؟
هذه نقطة جوهرية ينبغي عدم الخلط فيها بين التمثيل والاختصاص.
فحصول أطراف اتفاق جوبا على 75 مقعداً لا يعني إنشاء سلطة تشريعية منفصلة لها، ولا يمنحها حق التشريع خارج المجلس، وإنما يمنح ممثليها عضوية داخل المجلس التشريعي الانتقالي، يمارسون من خلالها الحقوق والاختصاصات المقررة لجميع الأعضاء وفق الدستور واللوائح.
فالسلطة التشريعية تظل للمجلس مجتمعاً، وتصدر قراراته وفق الأغلبية والإجراءات الدستورية المقررة.
وبالتالي فإن الحصة المخصصة لأطراف السلام هي ضمانة للتمثيل السياسي والمؤسسي، وليست تفويضاً تشريعياً مستقلاً.
سادساً: العلاقة بين اتفاق جوبا ومبدأ سيادة الدستور
تثير المادة (79) مسألة مهمة تتعلق بترتيب العلاقة بين الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا، إذ نصت على اعتبار الاتفاق جزءاً لا يتجزأ من الوثيقة، وعلى معالجة أي تعارض بينهما وفق أحكام اتفاق جوبا.
وهذا يعني أن تفسير الأحكام المتعلقة بالمشاركة في السلطة يجب أن يتم بصورة متكاملة، تراعي النص الدستوري والاتفاق المدمج فيه، دون اجتزاء مادة عن بقية الأحكام.
كما أن هذه العلاقة لا تلغي ضرورة احترام الإجراءات الدستورية في إصدار القوانين وممارسة الاختصاصات التشريعية والرقابية.
سابعاً: غياب المجلس التشريعي وأثره على البناء الدستوري
من القضايا التي تستحق البحث أن المجلس التشريعي الانتقالي كان يمثل المؤسسة المختصة بالتشريع والرقابة على أداء الجهاز التنفيذي، وأن تأخر تشكيله ترتب عليه استمرار العمل بالترتيب المؤقت الذي أسند سلطاته إلى اجتماع مشترك بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء.
وهذا الوضع يطرح تساؤلات حول مدى كفاية ممارسة السلطة التشريعية بصورة مؤقتة، ومدى تأثير غياب المجلس على الرقابة والمساءلة وإجازة الموازنة ومناقشة السياسات العامة.
كما يثير تساؤلات حول أثر عدم تفعيل التمثيل الذي قرره اتفاق جوبا لأطراف العملية السلمية، وما إذا كانت المشاركة الدستورية قد تحققت فعلياً أم ظلت في إطار النصوص والاتفاقات.
إن اتفاق جوبا أحدث تحولاً مهماً في البناء الدستوري للسلطة الانتقالية، ولم يقتصر أثره على إنهاء الحرب أو تقاسم المناصب التنفيذية، بل امتد إلى إعادة ترتيب السلطة التشريعية وتحديد نسب المشاركة فيها.
وتظل نسبة 25% المخصصة لأطراف العملية السلمية، بما يعادل 75 مقعداً، من أبرز مظاهر هذا التحول.
لكن القيمة الحقيقية لهذه الترتيبات لا تقاس بمجرد تخصيص المقاعد، وإنما بمدى احترام النصوص الدستورية، وقيام المؤسسات بأدوارها، وتحقيق التمثيل والمساءلة والتوازن بين السلطات.
فالسلام الذي لا ينعكس على مؤسسات الدولة وقوانينها ومشاركة مواطنيها يظل سلاماً ناقص الأثر، والدستور الذي لا تتحول نصوصه إلى مؤسسات فاعلة يظل إطاراً قانونياً ينتظر التطبيق.



