أبوعبيدة أحمد علي يكتب… أفعلها يا ياسعادة الفريق اول عبدالفتاح البرهان!!
رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
أفعلها يا ياسعادة الفريق اول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة..
فانت بقلبك الكبير وبتفويض الشعب لك عفوت عن من حملوا السلاح في وجه القوات المسلحة والشعب السوداني كالقائد النور قبة والثافنا واسقطتا التهم عن قادة قحت وتقدم وصمود بسبب الحوار ولو لحين فحريُ بك ان تطلق سراح رفيق الدرب القائد المشير من باب قيم الإنسانية والحلم النبيل فكن اعظم قائد فوضه شعبه لفعل المستحيل
فالسلطة تزول، ويبقى نُبل المواقف
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
ترددت كثيراً قبل أن أكتب في هذا الأمر، وكلما جمعت سطوري بعثرتها، ثم ألقيتها في سلة النسيان.
ولعلني كنت أبحث عن العبارة التي تستطيع أن تحمل ثقل القضية دون أن تظلم تاريخاً، أو تتجاوز على قانون، أو تجعل من الرحمة خصومة سياسية.
وتذكرت أبا العلاء المعري، وهو يتأنى في اختيار كلماته، حتى استقرت قصيدته على ما أراد.
أما أنا، فوجدت نفسي أقول:
آهٍ يا قلب… اكتب!
اكتب لأن الأمر يتعلق بإنسان بلغ من العمر عتياً، وبقائد عسكري أفنى زهرة شبابه في المؤسسة التي خدمها حتى بلغ أرفع رتبها، وبمرحلة من تاريخ السودان لا يستطيع أحد أن يمحوها بمجرد اختلافه معها.
اليوم تتناقل وسائل الإعلام السودانية أخباراً عن تدهور الحالة الصحية للرئيس السابق المشير عمر حسن أحمد البشير، ونقله من مستشفى مروي إلى مستشفى علياء بأم درمان بعد توصية الأطباء بحاجته إلى رعاية أكثر تخصصاً.
وهنا، بعيداً عن السياسة، وبعيداً عن الخصومات، وبعيداً عن تقييم حقبة كاملة من تاريخ السودان، ينهض السؤال الإنساني:
ماذا تفعل الرحمة حين يبلغ الإنسان هذه السن، ويثقل المرض جسده؟
إنني لا أكتب لأحكم على أحد، ولا لأضع نفسي مكان القضاء، ولا لألغي حقوق أي إنسان يرى أنه تضرر من حقبة حكم البشير.
فالعدالة لها ساحاتها، والقضاء له إجراءاته، والاتهامات الدولية لها مساراتها المعروفة؛ والمحكمة الجنائية الدولية ما زالت تسجل عمر حسن أحمد البشير في قضية دارفور بوصفه مطلوباً بموجب مذكرتي توقيف صادرتين في عامي 2009 و2010، والقضية أمامها في مرحلة ما قبل المحاكمة.
لكنني أكتب في مساحة أخرى…
مساحة الإنسان.
لقد أمضى البشير سنوات طويلة رهن الاحتجاز، ونُقل خلال السنوات الماضية بين مرافق صحية بسبب وضعه الصحي؛ ففي سبتمبر 2024 نُقل إلى مستشفى مروي بعد تقارير طبية أشارت إلى عدم توافر بعض الاحتياجات العلاجية في مكان احتجازه السابق، وطرحت هيئة الدفاع آنذاك مسألة حاجته إلى علاج خارج السودان.
فهل يمكن أن يكون في مقدور الدولة، وفق ما يسمح به القانون، أن تفتح نافذة للرعاية الطبية الأوسع؟
وهل يمكن أن تُراجع حالته الطبية والقانونية مراجعة شاملة، وأن يُنظر في أي إجراء يسمح به القانون، سواء أكان علاجاً متخصصاً داخل السودان أو خارجه، مع ضمان ما تقتضيه الإجراءات القضائية والضمانات القانونية؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح.
سيدي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان
أكتب إليك اليوم لا باعتبارك رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة فحسب، وإنما باعتبارك ضابطاً يعرف معنى الزمالة العسكرية، ويعرف أن المؤسسة العسكرية لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما تُبنى كذلك بالوفاء، والانضباط، وحفظ كرامة الرجال.
إن المشير عمر البشير ابن هذه المؤسسة، وأحد الذين ارتدوا زيها العسكري سنوات طويلة، وتدرجوا في صفوفها حتى بلغوا رتبة المشير.
وقد اختلف السودانيون حوله، واختلفوا في تقييم تجربته السياسية، وهذا أمر لا يمكن تجاهله ولا ينبغي أن يُمنع الناس من التعبير عنه.
لكن الاختلاف السياسي لا يمنع الرحمة.
والاختلاف في قراءة التاريخ لا يمنع حفظ كرامة الإنسان.
والاحتكام إلى القانون لا يتعارض مع أن يكون للقلب مكان في حياة الأمم.
ولست أطالب بإلغاء قانون، ولا بمصادرة حق أحد، ولا بتعطيل مسار قضائي؛ وإنما أطالب بأن تكون الحالة الصحية والإنسانية للرجل محل مراجعة جادة، شفافة، وموثقة، وأن يُنظر في كل ما يجيزه القانون من تدابير علاجية وإنسانية.
فإذا كان العلاج المتخصص غير متوافر داخل البلاد، فلتبحث الدولة في الوسيلة القانونية التي تتيح له الحصول عليه.
وإذا كانت هناك قيود قانونية على سفره، فلتُبحث الحلول التي يجيزها القانون.
وإذا كان القضاء هو الجهة المختصة، فليُرفع الأمر إليها.
المهم ألا يكون المرض وحده هو الذي يتحدث، ولا أن تكون الشيخوخة وحدها هي التي تطرق الأبواب؛ بل أن يتقدم القانون والرحمة معاً.
من الوفاء أن نتذكر المواقف
لقد عرفت المؤسسة العسكرية السودانية رجالاً كثيرين، بعضهم اختلفنا معهم، وبعضهم اتفقنا معهم، لكن الذي يبقى في ذاكرة الشعوب ليس عدد السنوات التي جلس فيها الرجل على كرسي السلطة وحده، وإنما المواقف التي اتخذها عندما كان القرار ثقيلاً.
وهنا أتذكر ما فعله البشير في حقبة الرئيس جعفر محمد نميري، كما أتذكر مواقف أخرى في تاريخ المؤسسة العسكرية السودانية؛ لأنني أؤمن أن الفضائل لا ينبغي أن تموت لمجرد تغير المواقع.
فاليوم قد يكون رجل في موقع القرار، وغداً قد تتبدل المواقع.
وقد تكون السلطة في يد إنسان، ثم تخرج من يده كما خرجت من أيدي كثيرين قبله.
أما الموقف النبيل فيبقى.
ولهذا أقول:
يا برهان… إن كانت الرحمة التي يمكن أن تمنحها لا تصطدم بالقانون، فدع لها مكاناً.
وإن كان القانون يحتاج إلى إجراء قضائي، فليُتخذ الإجراء.
وإن كانت التقارير الطبية تستوجب علاجاً خارج البلاد، فليُنظر في ذلك بما يحفظ حق الدولة ويحفظ كرامة المريض.
فالرجل الذي بلغ هذه السن، وأثقل المرض جسده، لا ينبغي أن يكون موضوعاً للمكايدة السياسية.
إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى تجاوز مرارات الماضي دون أن ينسى حقوق الناس، وإلى بناء ثقافة تجعل القانون سيداً، وتجعل الرحمة قيمة، وتجعل العفو ــ حين تسمح به القوانين والظروف ــ باباً من أبواب التئام الجراح.
عمر البشير… رجل من تاريخ السودان
قد يكتب المؤرخون عن ثلاثين عاماً من حكم عمر البشير عشرات الكتب، وقد يختلفون في تفسيرها وتقييمها، وقد تتعدد الروايات والشهادات حولها.
لكن الرجل سيظل جزءاً من تاريخ السودان، شاء الناس أم أبوا.
وسيظل ضابطاً سابقاً في القوات المسلحة السودانية.
وسيظل رئيساً سابقاً للجمهورية.
وسيظل اسمه مرتبطاً بمرحلة طويلة من تاريخ البلاد.
وهذا كله لا يمنحه حصانة من القانون، كما أن الاختلاف معه لا ينبغي أن يحجب عنا إنسانيته.
فإذا كان للقانون كلمته، فلتكن له الكلمة.
وإذا كان للطب تقريره، فليُسمع تقرير الأطباء.
وإذا كان للرحمة باب يمكن فتحه دون إهدار حقوق أحد، فليُفتح ذلك الباب.
أفعلها يا برهان…
لا أطلب منك أن تحكم مكان القضاء.
ولا أن تتجاوز القانون.
ولا أن تنسى حقوق من يرى أنه ظُلم.
إنما أطلب أن تجعل الإنسان المريض حاضراً في القرار.
فقد يأتي يوم ينظر فيه الناس إلى هذه اللحظة من التاريخ، فلا يتذكرون فقط من انتصر ومن خسر، ومن بقي في السلطة ومن خرج منها؛ وإنما يتذكرون أيضاً:
من كان قادراً على الرحمة، فاختار الرحمة.
إن السلطة لا تعرف الخلود.
والمنصب لا يعرف البقاء.
والأيام دول.
أما المواقف النبيلة، فإنها تعيش أطول من أصحابها.
فإن كان القانون يسمح، وإن كانت الحالة الطبية تستوجب، وإن كانت المصلحة العامة لا تتضرر، فلتُدرس إمكانية إتاحة العلاج والرعاية الطبية المناسبة للمشير عمر البشير، بما يحفظ حقوق الدولة وحقوق الآخرين وكرامة المريض في آن واحد.
أفعلها يا برهان… إن كان القانون يفتح لك باباً للرحمة، فلا تغلقه.
فقد يحفظ لك التاريخ يوماً أنك حين امتلكت القرار، لم تنسَ أن وراء كل اسم في سجلات السياسة إنساناً له جسد يمرض، وعمر يثقل، وقلب يرجو الرحمة.
والله من وراء القصد.



