مقالات الظهيرة

ياسرمحمدمحمود البشر يكتب…. أطـــفال ســـوق (٦) حراك يستعيد الحياة وقنبلة تهـــدد المستقبـــل!! 

*تسللت شمس عصر الجمعة، الحادي والعشرين من أغسطس ٢٠٢٦ لتلقي بظلالها على تفاصيل سوق ٦ بإلحاح يوسف ذلك الشريان التجاري النابض الذى قصدته بغرض العبور إلى أحد الأحياء المجاورة للسوق لكن الزيارة تحولت لاستكشاف أثر التعافى التجارى والمجتمعى والوقوف عن قرب على نبض الشارع الذي طالما كان مرآة صادقة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية فى المنطقة ومنذ اللحظة الأولى لدخول السوق يأسرك الحراك الخلاق الذى

ينبعث من كل زاوية أصوات الباعة وهى تتداخل في سيمفونية يومية والمشترون الذين يتدفقون بين الممرات المكتظة بالبضائع إن مشاهد البيع والشراء والشغف الواضح في وجوه المرتادين تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الحياة قد عادت إلى طبيعتها تماماً وأن إرادة الاستمرار قد هزمت كل ظروف الحرب*

 

*وسط هذا المشهد المفعم بالأمل والنشاط التجارى المتصاعد كان ثمة مشهد آخر ينبض بالألم ويلقى بظلاله القاتمة على حركة السوق فقد لفت نظرى التدفق اللافت لأعداد كبيرة من الأطفال واليافعين ممن هم دون سن الثامنة عشرة ينخرطون بقسوة في أتون الأعمال الهامشية من حمل البضائع الثقيلة إلى بيع أكياس البلاستيك والمشاطرة في أعمال لا

تتناسب إطلاقاً مع بنيتهم الجسدية أو مراحلهم العمرية إن رؤية هؤلاء الصغار وهم يصارعون هجير الظهيرة وقسوة المهن الهامشية تثير فى النفس أسىً عميقاً فهؤلاء الأطفال ليس مكانهم الطبيعي بين أزقة الأسواق المتربة ولا تحت وطأة البحث عن كسب عيش يومي زهيد إن مكانهم الأصيل الذي انتُزعوا منه هو فصول الدراسة والمؤسسات التعليمية التي تصقل عقولهم وتضمن لهم بناء مستقبل يتناسب مع تطلعاتهم وتطلعات مجتمعهم*.

 

*إن ظاهرة عمالة الأطفال في الأسواق ليست مجرد مشكلة اقتصادية عابرة أو حالة فردية فرضتها الحاجة المالية للأسَر بل هي تتعدى ذلك لتصبح خللاً هيكلياً يمس الحماية الاجتماعية ترك هؤلاء الأطفال لمواجهة الشارع يجردهم من طفولتهم ويحرمهم من حقهم الأساسى في التعليم ويجعلهم عرضة للاستغلال بمختلف أشكاله مما يهدد بنسف النسيج المجتمعى من الجذور تضع هذه المشاهدات وزارة الرعاية الاجتماعية وكافة الجهات الحكومية

والمنظمات المعنية بالطفولة أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية لا تقبل التأجيل يتوجب على هذه الجهات الالتفات العاجل لهذه الظاهرة وإجراء مسح ميدانى وشامل للوقوف على أسباب تسرب هؤلاء الأطفال من المدارس مع تقديم حزم دعم اجتماعي واقتصادى تمكّن أسرهم من إعادتهم إلى مقاعد الدراسة*.

 

*إن التغاضي عن هذه المشكلة أو التعامل معها بوصفها أمراً واقعاً سيعود بعواقب وخيمة فهؤلاء الأطفال إن تُركوا بلا رعاية أو تعليم أو حماية سيتحولون بلا شك إلى قنبلة اجتماعية موقوتة قد تفجر الاستقرار المجتمعى مستقبلاً فالشارع لا يمنح تربية حقيقية بل يفرز أنماطاً من التهميش والاغتراب الاجتماعى الذى يسهل استغلاله في مظاهر الجريمة والانحراف وعودة الحياة إلى طبيعتها في سوق ٦ تُعد مؤشراً مبهجاً يستحق الإشادة لكن اكتشافه يجب ألا ينسينا أن كلفة هذا التعافى لا ينبغي أن تُدفع من حساب مستقبل أطفالنا إن بناء المجتمع السليم يبدأ من حماية طفولته واستعادة هؤلاء الصغار من الأسواق إلى الفصول الدراسية هو الاستثمار الحقيقى والوحيد الذي يضمن ألا تتحول عودة الحياة إلى مجرد واجهة حالمة تخفي تحتها أزمات غدٍ مظلم*

 

 

yassir.mahmoud71@mail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى