ياسر محمد محمود البشر يكتب… من التكامـل إلـى حـمد النيـل.. الرحلة الأخيرة للشهيد على!!

*بعد انتظارٍ دام لأكثر من ستة أشهر تحرك أخيراً جثمان الشهيد على فضل الله عثمان من مدرسة التكامل بضاحية صالحة جنوب أم درمان نحو مثواه الأخير بمقابر حمد النيل صباح اليوم الجمعة ١٥ / ٥ / ٢٠٢٦ فى مشهدٍ اختلطت فيه الدموع بمرارة الفقد والحزن بإحساس متأخر بأن الرجل نال أخيراً حقه فى التشييع والدفن الكريم*.
*لم يكن المشهد عادياً فالجثمان الذى ظل حبيساً لأشهر طويلة بسبب ظروف الحرب وتعقيدات الأوضاع الأمنية عاد أولاً إلى منزله حيث وقفت أرملته سلافة محمد محمود البشر أمام نعشه تلقي نظرة الوداع الأخيرة وهي تحمل فوق كتفيها ثقلاً يفوق احتمال الكلمات وأربعة يُفع على كاهلها فى لحظة صامتة لكنها كانت كافية لتروى حجم المأساة التى عاشتها الأسرة منذ اختفاء الزوج وحتى العثور على جثمانه*.
*وفى صورة تختصر قسوة الحرب رافق الابن الأكبر للشهيد الذى لم يتجاوز التاسعة من عمره موكب تشييع والده إلى المقابر وكأن الطفولة نفسها أُجبرت على أن تكبر قبل أوانها طفلٌ كان ينتظر عودة أبيه إلى المنزل،د فإذا به يرافقه إلى القبر*.
*لقد تحول الشهيد على فضل الله إلى واحد من مئات السودانيين الذين ابتلعتهم معتقلات مليشيا الدعم السريع خلال الحرب حيث تم القبض عليه بتهمة التعاون مع القوات المسلحة في معركة الكرامة،د ووصمه بأنه من الفلول وهي تهمة أصبحت في زمن الحرب بوابة مفتوحة للاعتقال والتنكيل وربما الموت دون محاكمة أو ذنب مثبت*.
*ومهما تعددت الروايات فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الرجل خرج من منزله حياً ثم عاد جثماناً بعد شهور من الغياب القسرى لتبقى أسرته وحدها تواجه وجع الفقد وأسئلة العدالة المؤجلة*.
*إن تشييع علي فضل الله لم يكن مجرد مراسم دفن بل كان شهادة جديدة على حجم الانتهاكات التي خلفتها الحرب ورسالة موجعة بأن آلاف الأسر السودانية لا تزال تبحث عن أبنائها بين المعتقلات والمقابر الجماعية وأخبار المفقودين*.
*لقد وجد علي فضل الله أخيراً القبر الذي يستحقه لكن السودان ما زال يبحث عن وطنٍ لا يُقتل فيه الناس بالشبهة ولا تُترك فيه الجثامين معلقة بين الأرض والسماء لأشهر طويلة تنتظر فقط أن تجد طريقها إلى قبرٍ يليق بكرامة الإنسان*.
yassir.mahmoud71@gmail.com



