ياسر أبو ريدة يكتب… تكوين… السودان لا يحتاج كيانًا جديدًا بقدر ما يحتاج فكرةً جديدة
لا يُقاس نجاح المبادرات بعدد المؤتمرات التي تعقدها، ولا بحجم الحشود التي تلتف حولها، وإنما بالسؤال الأصعب: ماذا ستضيف للسودان؟ وما الذي تستطيع تقديمه ولم تستطع القوى الأخرى تقديمه؟
هذا هو الامتحان الحقيقي الذي ينتظر مبادرة “تكوين”.
فالسودان لا يعاني من نقص في التنظيمات أو التحالفات أو اللافتات السياسية، بل يعاني من فائض في الكيانات التي تولد كبيرة في الإعلام، ثم تتراجع عندما يحين وقت الفعل. ولذلك فإن أي مبادرة جديدة مطالبة بأن تثبت منذ يومها الأول أنها جاءت لتسد فراغًا وطنيًا، لا لتضيف رقمًا جديدًا إلى قائمة الأجسام الموجودة.
إذا كانت “تكوين” تؤمن بأن الدولة السودانية هي الإطار الجامع الذي لا بديل عنه، فإن مسؤوليتها لا تقف عند إعلان المواقف، بل تبدأ من قدرتها على جمع القوى الوطنية التي ظلت تعمل متفرقة، وتحويلها إلى قوة منظمة تمتلك رؤية واضحة، وخطابًا مسؤولًا، ومشروعًا قابلًا للتنفيذ.
البلاد لا تحتاج إلى اصطفافات موسمية تُولد تحت ضغط الأحداث، ثم تنتهي بانتهاء الظرف. ما تحتاجه هو مشروع وطني يجيب عن الأسئلة المؤجلة: كيف تُدار الدولة؟ كيف تُبنى المؤسسات؟ وكيف يتحول الانتماء للوطن إلى برنامج عمل، لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات؟
إن السياسة التي لا تنتج حلولًا ليست سوى ضجيج. والعمل الوطني الذي لا يتحول إلى مؤسسات يبقى رهين الأشخاص، فإذا غابوا غاب معهم المشروع.
ومن هنا، فإن نجاح “تكوين” لن يُقاس بعدد المنضمين إليها، وإنما بقدرتها على إنتاج أفكار وسياسات تسند الدولة، وتخاطب هموم المواطن، وتحول الوطنية من موقف عاطفي إلى برنامج عملي في الإدارة والاقتصاد والتنمية والخدمات.
أما إذا اكتفت بالشعارات، أو أعادت إنتاج تجارب التحالفات التقليدية بأسماء جديدة، فلن تكون سوى حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الفرص التي أضاعها السودانيون.
السودان اليوم لا يفتقر إلى الرجال، ولا إلى الكفاءات، ولا إلى الإرادة. ما يفتقر إليه هو مشروع يجمع هذه الطاقات في اتجاه واحد، ويضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة باعتبارها مسؤولية مشتركة لا غنيمة يتنافس عليها المتنافسون.
ولذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس على اسم المبادرة، بل على قدرتها على إقناع السودانيين بأنها جاءت لتبني، لا لتنافس؛ ولتوحد، لا لتستقطب؛ ولتقدم مشروعًا للوطن، لا منصةً لأحد.
فالأوطان لا تنقذها كثرة الكيانات… وإنما تنقذها جودة الأفكار وصدق الإرادة.



