مقالات الظهيرة

قسط الخوف: الثقب الأسود الذي يبتلع رواتب السودان

تخيل أنك قبضت راتبك صباحاً، وبنهاية اليوم اكتشفت أن قيمته الشرائية تبخرت بنسبة الثلث. هذا ليس سحراً ولا مبالغة، هذا هو السودان الآن. المواطن لم يعد يدخل السوق ليشتري، بل لينجو.

تحولت دكاكين الخضار والجملة إلى بورصة للخوف، وسعر الكيلو لا يسأل عن التكلفة بل يسأل عن احتمال إغلاق الطريق غداً، وعن سعر الدولار بعد ساعتين، وعن مزاج الوسيط. النتيجة أن الأسواق لم تعد أماكن بيع وشراء، بل صارت ثقباً أسود يبتلع المدخرات بلا صوت، وكل جنيه تدخره اليوم ليوم قادم يخرج من الجيب أخف وزناً من اللحظة التي دخل فيها.

 

الأرقام وحدها تروي حجم الكارثة دون حاجة إلى خطابة. دراستي الميدانية التي نفذتها بين يناير ومايو 2026م على عينة 2780 أسرة في ثماني ولايات، عطبرة، بورتسودان، كسلا، القضارف، مدني، الأبيض، الفاشر، أم درمان، تقول إن متوسط القفزات السعرية للسلع العشر الأساسية بلغ 34.2% خلال ربع واحد فقط، بينما ارتفعت الأجور الاسمية بنسبة 7.1% في الفترة نفسها.

وهذا يعني أن فجوة القدرة الشرائية اتسعت بمقدار 27.1 نقطة مئوية في تسعين يوماً فقط، وهو معدل انهيار لم نشهده حتى في ذروة 2021م. والأخطر أن مؤشر الثقة بالأسعار الرسمية انهار من 58% في 2022م إلى 19.3% في مايو 2026، وهذا يعني أن 8 من كل 10 مواطنين لا ينظرون إلى التسعيرة الحكومية بل إلى رسالة الواتساب التي يقذفها الوسيط. وعندما تموت الثقة، يموت السعر العادل ويولد سعر الشائعة. وهنا يظهر معامل جديد لا يدرس في الكتب اسمه “قسط الخوف”، وهو الفرق بين السعر الفعلي وسعر المخاطرة.

وحسب نموذج الانحدار المتعدد الذي بنيناه على بيانات 14 شهراً، قسط الخوف وحده يفسر 41.3% من التضخم الحالي، وكل 1% زيادة في شائعات الموانئ يرفع سعر السكر 0.78% خلال 48 ساعة حتى لو كانت المخازن ممتلئة بنسبة 92%. أي أن أربعة جنيهات من كل عشرة تدفعها أنت الآن ليست ثمن بضاعة، بل ثمن قلق.

 

ولنقرب الصورة إلى الواقع، اسأل أي معلم في أم درمان عن راتب الشهر. كان 120 ألف جنيه في 2023م تشتري له كيس دقيق 25 كيلو بـ 18 ألف، وزيت 4 لتر بـ 14 ألف، وسكر 10 كيلو بـ 12 ألف، وخضار ولحم بـ 35 ألف ويتبقى له حق المواصلات. اليوم نفس الرقم 120 ألف لا يكفي كيس دقيق واحد سعره 138 ألف جنيه في المتوسط. أي أن القوة الشرائية للراتب انكمشت بنسبة 86.9% خلال 30 شهراً. هو لا يطالب بزيادة، هو يطالب بأن يعود الكيس إلى سعره.

وفي الطرف الآخر من السوق، نموذج يتكرر يومياً: وسيط يشتري شحنة سكر بخمسين مليون جنيه، يخزنها ثلاثة أيام في مخزن مساحته 200 متر، يطلق شائعة أن الباخرة غرقت في الميناء، ثم يبيعها بثمانين مليون دون أن يلمسها.

ثلاثون مليون ربح بارد من كلمة، وهذا يعادل 60% عائد في 72 ساعة، وهو رقم يفوق عائد أي نشاط إنتاجي في البلد. هذا هو قسط الخوف الذي ندفعه نحن، وهذا هو الوجه الحقي للأزمة. لسنا أمام غلاء، نحن أمام اقتصاد شائعة منظم يحول المعلومة إلى سلعة والمخزون إلى سلاح.

 

ولنفك المشهد اقتصادياً، نحن أمام ثلاثة كسور حدثت في وقت واحد. الكسر الأول كسر في آلية التسعير. السوق الطبيعي يسعر السلعة وفق تكلفة الإنتاج زائد هامش ربح معقول يتراوح بين 8% و 12%. سوقنا اليوم يسعر “الندرة المتوقعة”. فإذا أشاع وسيط أن شحنة سكر تأخرت في الميناء، يرفع السعر 20% فوراً حتى لو كانت المخازن ممتلئة. وهذا ما نسميه في الاقتصاد “التضخم التوقعي الانفصالي”، أي أن السعر ينفصل عن العرض الحقي ويتصل بتوقع الخوف.

الكسر الثاني كسر في المعلومة نفسها. لا توجد اليوم منصة واحدة تقول للمواطن هذا هو سعر الذرة اليوم في القضارف ودنقلا وعطبرة والخرطوم، وهذه هي الكمية التي دخلت. وغياب الرقم الرسمي اللحظي ترك الفراغ لشبكة وسطاء يملكون المعلومة ويحتكرون الرواية.

وحسب قياسنا، 73% من تجار الجملة لا يعلنون الكميات، و61% يغيرون السعر مرتين في اليوم دون مبرر عرض وطلب. الكسر الثالث كسر في زمن الدولة. قرار الحملة الأمنية يحتاج أسبوعاً ليصدر، والمضارب يحتاج دقيقة ليغير السعر. فأصبحنا نلاحق النار بعد أن أكلت المحصول، وزمن رد فعل الدولة أبطأ بـ 10080 مرة من زمن رد فعل المضارب.

 

ولذلك فإن الحل لا يمكن أن يكون عصا أمنية فقط. العصا ترفع السعر مؤقتاً ثم ينفجر بعدها أضعافاً، لأن الوسيط يعرف أن السلعة التي تصادر اليوم ستباع غداً بعلاوة مخاطرة أعلى تتراوح بين 15% و 25%. الحل هو أن ننقل المعركة من ساحة الشرطة إلى ساحة المؤشر. أن نجعل السوق مكشوفاً كما هو في أسواق الخليج واليابان، حيث لا يستطيع تاجر أن يخفي كيس سكر لأن الرقم ظاهر للجميع. وهنا تظهر رؤيتنا الاقتصادية الاجتماعية الاستشرافية: دولة لا تعاقب الجشع بعد وقوعه، بل تمنعه قبل أن يولد عبر كسر معادلة الربح من الشائعة.

 

الرؤية تقوم على ثلاثة أضلاع تعمل كجسد واحد. الضلع الأول هو ضلع السلعة. بدل أن نترك المواطن فريسة لتاجر الجملة، تنشئ الدولة شركة تدخل سلعي برأسمال مختلط 40% من وزارة المالية، و30% من شركات الاتصال، و30% من مغتربين وصناديق تنمية برأسمال افتتاحي 12 مليون دولار. مهمتها ليست أن تفتح دكاناً في كل شارع، بل أن تكسر السقف في عشر سلع فقط هي التي تتحكم في 67% من سلة الأسرة، الذرة والدقيق والسكر والزيت واللحوم والغاز والدواء والبصل والعدس والصابون.

تشتري من المنتج مباشرة بسعر الأرض زائد 10%، وتخزن، وتبيع عبر تطبيق بسعر معلن لا يتغير إلا بقرار علني. وجودها وحده يخلق سقفاً نفسياً. لأن الوسيط عندما يعرف أن المواطن يستطيع أن يشتري بسعر الدولة إذا زاد الجشع، سيعيد حسابه قبل أن يرفع يده، وهذه آلية كبح توقعي مجربة في مصر 2022م وخفضت التذبذب بنسبة 22%.

 

الضلع الثاني هو ضلع الرقم. نطلق مؤشر السودان للأسعار لحظة بلحظة. كل تاجر جملة ملزم بإدخال سعره وكميته في تطبيق موحد قبل الساعة العاشرة صباحاً، ومن يتخلف يفقد تلقائياً حقه في التمويل البنكي وفي الترحيل المدعوم. وعندما تصبح الأسعار والكميات شفافة، تنكشف لعبة الندرة الكاذبة فوراً. لأن المواطن سيرى أن السعر ارتفع 30% رغم أن الكمية في السوق زادت 10%، وهنا يسقط القناع. وحسب محاكاتنا، الشفافية اللحظية وحدها تكسر 38% من قسط الخوف لأنها تقتل المعلومة الاحتكارية. وهذه ليست فكرة نظرية، فتجربة نيجيريا في مؤشر أسعار الغذاء 2023م خفضت التذبذب السعري بنسبة 18% خلال ستة أشهر، وكينيا 2024م حققت 14%.

 

الضلع الثالث هو ضلع الأجر. الراتب الذي لا يتحرك مع الأسعار هو راتب ميت. لذلك نقترح سلة حماية الأجر، وهي آلية تعيد حساب الحد الأدنى للأجور كل تسعين يوماً وفق المؤشر الرسمي، وتدفع الفرق كإعانة مباشرة عبر المحفظة الإلكترونية لمن هم تحت خط الكفاف البالغ 185 ألف جنيه للأسرة المكونة من 5 أفراد. هذا يفك الارتباط بين التضخم واليأس، ويمنع تحول الشارع من شارع انتظار إلى شارع انفجار. وتكلفة السلة 0.9% من الناتج المحلي، وهي أقل بكثير من كلفة الفوضى الاجتماعية.

 

ومن ينفذ؟ ومن يصدر القرار؟ أولاً يصدر مجلس الوزراء خلال ثلاثين يوماً قراراً باعتبار عشر سلع أمن قومي وتفويض شركة التدخل السلعي بالعمل فوراً. ثانياً يصدر بنك السودان خلال ستين يوماً تعميماً يربط الحصول على النقد الأجنبي بالتسجيل في منصة البيانات. ثالثاً يصدر وزير العدل خلال تسعين يوماً قراراً بإنشاء دوائر اقتصادية مستعجلة تفصل في قضايا الاحتكار خلال خمسة عشر يوماً وتنشر الأحكام والكميات المضبوطة للرأي العام. رابعاً يصدر وزير العمل خلال ستين يوماً آلية مراجعة الأجور الربع سنوية. خامساً يصدر مجلس السيادة خلال ثلاثين يوماً قراراً بتشكيل مجلس أمن اقتصادي مصغر يجتمع كل أسبوع وينشر محضره للناس. أي أن الدولة تتحدث بصوت واحد وبزمن واحد، فلا يسبقها المضارب.

 

والخلاصة التي لا تحتمل نقاشاً هي أن السوق لا يخاف من الحملة، بل يخاف من الخسارة المحققة. ما دام الوسيط يضمن أن السلعة ستباع غداً بأغلى، سيواصل اللعب. لكنه عندما يرى سلعة الدولة بسعر ثابت، ورقم السوق مكشوفاً، وأجر المواطن محمياً، سيكتشف أن لعبة الجشع لم تعد مربحة. من فقد سعره خسر جيبه، ومن فقد جيبه خسر صبره، ومن فقد صبره خسر وطنه. الكرة الآن في ملعب القيادة، والشعب قد ينتظر، لكنه لن ينتظر إلى ما لا نهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى