من فشل الموسم إلى معجزة الحصاد: برنامج السيادة الزراعية لإنقاذ 22 مليون سوداني

الدكتور/ محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
إذا كانت الحلقة الأولى قد كشفت كيف يتحول الصيف السوداني إلى كارثة ثلاثية الأبعاد في التمويل والأمن والمدخلات، فإن هذه الحلقة تثبت بالأرقام أن الكارثة قابلة للكسر خلال 90 يوماً فقط، وأن الفشل ليس قدراً بل خيار إدارة.
فالأرض السودانية لم تمت، والمطر سينزل وفق توقعات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ بنسبة أمطار تتراوح بين 450 و700 ملم في الحزام الجنوبي، والسوداني لم ينس كيف يحرث. الذي مات هو النظام الذي يربط بين المطر والمحصول، وبين المحصول والسوق، وبين السوق والجنيه. وإعادة ربط هذه الحلقات هو معركة اقتصادية سيادية بامتياز، لأن كل مليون طن ذرة تُنتج محلياً توفر 280 مليون دولار، وكل دولار يُوفر من الاستيراد يرفع غطاء الجنيه بنسبة 0.04%، وكل 0.04% زيادة في الغطاء تخفض سعر الدولار في السوق الموازي بنسبة 1.1%.
إن المنهج العلمي لإدارة الأزمات الزراعية يقوم على تتبع سلسلة القيمة وتحديد نقاط الاختناق وكسرها بحلول رقمية قابلة للقياس. فالحلقة الأولى هي المدخلات،.
والسودان يستورد 94% من تقاويه المحسنة و100% من مبيداته و87% من أسمدته، وتوقف الاستيراد بسبب شح النقد الأجنبي أعاد المزارع إلى البذور البلدية التي تعطي 0.4 طن للفدان مقابل 1.1 طن للصنف المحسن. والحل العاجل ليس استيراداً بالدولار، بل مقايضة سيادية. فالسودان يملك مخزوناً من الصمغ العربي يقدر بـ 180 ألف طن، و80 ألف رأس ماشية قابلة للتصدير الفوري. يمكن مبادلة 120 ألف طن صمغ و80 ألف رأس ماشية مع إثيوبيا وكينيا والهند مقابل 200 ألف طن من تقاوي الذرة والدخن قصيرة العمر المقاومة للجفاف التي تنضج في 75 يوماً بدلاً من 120 يوماً. بهذه الآلية نوفر 240 مليون دولار كانت ستخرج نقداً، ونرفع الإنتاجية بنسبة 60%، أي أن الفدان الذي كان ينتج 0.4 طن سينتج 0.64 طن، وفرق الـ 0.24 طن على مليون فدان يساوي 240 ألف طن ذرة إضافية بقيمة 67 مليون دولار.
والحلقة الثانية هي الميكنة التي انهارت بالكامل. فـ 73% من جرارات مشروع الجزيرة البالغ 2.2 مليون فدان متوقفة، ومتوسط عمر الجرار في القضارف 27 سنة، و90% من الحاصدات تحتاج قطع غيار لا يمكن استيرادها. واستبدال الأسطول يحتاج 1.2 مليار دولار غير متوفرة. ولكن استبدال الأسطول ليس شرطاً للإنتاج، والحل هو “ميكنة المجتمع”. فإنشاء أسطول تأجير مركزي يضم 400 جرار وحاصدة يدار عبر جمعيات المزارعين، بتكلفة 35 دولاراً للفدان بدلاً من 120 دولاراً، يحرر 1.8 مليون فدان من العطالة. وتمويل هذا الأسطول ممكن عبر منحة بقيمة 84 مليون دولار من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو بنك التنمية الإسلامي، ويسدد المزارع بالمحصول بعد الحصاد بسعر ضمان معلن. وكل 100 جرار إضافي يزرع 180 ألف فدان، وينتج 108 آلاف طن ذرة، أي 30 مليون دولار.
والحلقة الثالثة هي الماء والطاقة وهي نقطة الضعف القاتلة في الشمالية ونهر النيل. فـ 85% من المشاريع المروية تعمل بالكهرباء أو الديزل، وتعرفة الكهرباء الزراعية ارتفعت 400% خلال عامين، والديزل يُباع في السوق الأسود بثلاثة أضعاف السعر الرسمي، مما أدى إلى تصحر آلاف الأفدنة المجهزة. الحل هو التحول للطاقة الشمسية. فتكلفة تحويل مشروع 100 فدان إلى طاقة شمسية هي 22 ألف دولار، ويستردها المزارع في موسمين من وفر الوقود، لأن كل فدان يستهلك 85 جالون ديزل للموسم بتكلفة 289 ألف جنيه.
بينما تكلفة الطاقة الشمسية للفدان لا تتجاوز 22 ألف جنيه سنوياً بعد الاستهلاك. وبرنامج قومي لتركيب 10 آلاف مضخة شمسية بتمويل ميسر 2% لمدة 5 سنوات، سيعيد 1.1 مليون فدان للإنتاج، ويوفر 190 مليون دولار سنوياً من فاتورة الجازولين المستورد. وكل ميقاواط شمسي يوفر 475 ألف دولار سنوياً، أي أن 400 ميقاواط توفر 12.6% من فاتورة المشتقات النفطية، وهو ما يخفض الطلب على الدولار بنسبة 7.3%.
والحلقة الرابعة هي الأمن وهي أخطر حلقات الاختناق. فـ 60% من مشاريع القضارف الآلية تقع في مناطق تماس عسكري، ولا مستثمر يزرع تحت صوت الرصاص، مما أدى إلى انخفاض المساحة المزروعة في القضارف من 6.5 مليون فدان إلى 2.1 مليون فدان. الحل هو إعلان “هدنة زراعية” لمدة 6 أشهر برعاية الإدارات الأهلية والمنظمات الدولية، تُعلن فيها مناطق زراعية منزوعة السلاح، ويُمنع فيها الاعتداء على المزارعين والآليات مقابل ضمان توزيع التقاوي والأدوات على الجميع دون تمييز. تجربة جنوب السودان 2017م أثبتت أن الهدنة الزراعية ترفع المساحة المزروعة 44% حتى في ظل حرب مفتوحة. وبدون هذه الهدنة، فإن القضارف التي كانت تصدر بـ 800 مليون دولار سنوياً ستتحول إلى مستورد صافٍ للغذاء، وهو ما يعني خسارة 1.1 مليار دولار من النقد الأجنبي.
والحلقة الخامسة هي التسويق والتخزين التي تبتلع ربح المزارع. فغياب بورصة محاصيل فاعلة يجعل المزارع يبيع بأقل من 40% من سعر المستهلك، وفقدان التخزين يضيع 31% من المحصول بسبب السعة التخزينية المسقوفة التي لا تغطي إلا 18% من الإنتاج. الحل هو إنشاء سوق محصول مركزي في ربك ومدني والقضارف مربوط بسكة حديد ومخازن مبردة بسعة 500 ألف طن، مع سعر ضمان معلن قبل الزراعة. فالمزارع الذي يعرف أنه سيبيع جوال الذرة بـ 85 ألف جنيه قبل أن يبذر البذرة، سيزرع ولا يهاجر. وكل 100 ألف طن سعة تخزين جديدة تخفض الفاقد 9%، وتوفر 27 مليون دولار، لأن كل طن ذرة سعره 280 دولاراً.
أما على مستوى الأقاليم، فلكل إقليم معادلة إنتاجية مختلفة. مشروع الجزيرة والمناقل يحتاج إدارة طوارئ بصلاحيات سيادية لمدة عامين مهمتها الوحيدة إعادة ضخ المياه وتطهير القنوات بتكلفة 140 مليون دولار، لأن 40% من أبواب المياه مكسورة أو منهوبة، وإعادة تشغيله بنسبة 80% تعني إنتاج 1.2 مليون طن ذرة وقطن وفول سوداني بقيمة 336 مليون دولار. القطاع المطري التقليدي في شمال كردفان ودارفور يحتاج 50 مليون دولار فقط لتقاوي دخن محسنة مقاومة للجفاف وحفائر لحصاد المياه وأدوات زراعية يدوية، ويضاعف إنتاج 800 ألف أسرة، وهو خط الدفاع الأول ضد المجاعة لأن إنتاجه يستهلك محلياً ولا يدخل السوق. دلتا القاش في كسلا تحتاج 30 مليون دولار لإزالة الأطماء، وتعيد 400 ألف فدان للإنتاج خلال موسم واحد، وتنتج 240 ألف طن قطن طويل التيلة بقيمة 192 مليون دولار. ولاية النيل الأبيض تحتاج فك الاشتباك بين مشاريع السكر التي تعمل بأقل من نصف طاقتها وبين الزراعة الأهلية عبر زراعة تعاقدية حول كنانة وعسلاية، وإنشاء سوق محصول مركزي في ربك مربوط بطريق مسفلت، لأن الولاية هي الأقرب جغرافياً للخرطوم وأقل تكلفة ترحيل، وكل كيلومتر طرق مسفلتة يوفر 0.8% من كلفة النقل.
إن كل هذه الحلول تُختبر في ثلاثة سيناريوهات مستقبلية لا رابع لها. السيناريو الأول هو سيناريو السيادة، وهو تطبيق البرنامج كاملاً خلال 90 يوماً. النتيجة المتوقعة: زراعة 9.4 مليون فدان إضافي، وإنتاج 3.2 مليون طن ذرة وسم وفول سوداني، وتوفير 1.1 مليار دولار من الاستيراد، وإطعام 22 مليون سوداني، وتحويل الريف من طارد للسكان إلى جاذب للعمالة، ورفع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي من 31% إلى 38%. السيناريو الثاني هو سيناريو الجمود، وهو تنفيذ جزئي انتقائي. النتيجة: إنتاج 1.4 مليون طن فقط، وفجوة غذائية 1.8 مليون طن، وارتفاع سعر جوال الذرة 140% ليصل إلى 175 ألف جنيه، وموجات نزوح جديدة تقدر بـ 1.2 مليون نسمة. السيناريو الثالث هو سيناريو الانهيار، وهو ترك الموسم للصدفة. النتيجة: فشل الموسم، ودخول 22 مليون سوداني في مجاعة، وانهيار الريف، وتآكل ما تبقى من الدولة، وخسارة 2.4 مليار دولار من فاتورة الاستيراد الطارئ.
ولذلك فإن التوصيات الاستراتيجية الاستشرافية يجب أن تكون حادة ومحددة زمنياً ولا تقبل التأجيل. أولاً إعلان حالة طوارئ زراعية فوراً لمدة 90 يوماً تشمل ممرات آمنة وتقاوي عاجلة وسعر ضمان معلن. ثانياً إدارة لامركزية لكل إقليم بصلاحيات تمويل وري وتسويق، لأن القضارف ليست الجزيرة وليست دارفور. ثالثاً التحول للطاقة الشمسية كمشروع قومي نقدي يخفض فاتورة الدولار. رابعاً كسر احتكار كبار الملاك وشبكات التمويل الربوي عبر صندوق تمويل زراعي سيادي. خامساً إنشاء مؤشر متولي للأمن الغذائي يصدر كل شهر ليقول للمواطن بوضوح: مخزوننا يكفي كذا شهراً، وإنتاجنا زاد بكذا طناً.
الخلاصة أن الأرض تنتظر من يحرثها، والسماء ستمطر عاجلاً أم آجلاً، ولكن السؤال السيادي هو: هل سيكون هناك من يحصد؟ فالتاريخ لن يرحم من يضيع موسم 2026م، لأن من ضيع الموسم ضيع الدولة، ومن أنقذ الموسم أنقذ 22 مليون روح، وأنقذ الجنيه، وأنقذ السودان. فمن كسر العطش كسر الحرب، ومن بنى المرفق بنى الدولة، ومن صلب الموسم صلب الوطن.



