مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… الأستاذ الراحل مأمون عبدالله الفلكلور التربوي الإجتماعي المتميز!!

هناك عبقريات هادئة لا تكتفي بترك أثرٍ عابر، بل تعيد ترسيم جغرافيا المجال الذي تعمل فيه؛ ورحيل الأستاذ مأمون عبدالله محمد نور لم يكن مجرد غيابٍ لمعلمٍ قدير، بل كان ترجيلًا لآخر الفرسان الذين أداروا المؤسسات التعليمية بعقلية «المايسترو» وروح «ابن البلد»، يمزجون فيها بين الصرامة الأكاديمية والذكاء الاجتماعي الفذ.

لم تكن فلسفة الراحل في إدارة المؤسسات العريقة—من “حنتوب” الساطعة إلى “ودمدني الثانوية” و”بركات النموذجية”—تعتمد على المقررات واللوائح الجافة، بل على تفكيك التقاليد الإدارية الباردة وابتكار بيئة لصناعة الأبطال. لقد حوّل “بركات” من صرح إقليمي إلى العاصمة الفكرية للشهادة الثانوية، حين انتزع بها المركز الأول على مستوى الجمهورية لأول مرة في تاريخها، في إنجازٍ لم يكن ضربة حظ، بل نتيجةً لـ “هندسة نفسية” دقيقة جعلت المعلم والطالب يخوضان معركة التفوق كمسألة شرف وأصل.

وحين تسلّم مقاليد الإدارة التربوية بأقسامها المتشعبة، اصطدم بجدار الظروف الاقتصادية الخانقة، لكنه أثبت أن القيادة الحقيقية تتجلى عند انسداد الأفق؛ فاخترق جمود البيروقراطية عبر تفعيل «رأس المال الاجتماعي». بعلاقاته الممتدة وشخصيته التي تزينها الثقة والمصداقية، استقطب قمم كليات التربية وأعتى المعلمين الخبراء لإقامة دورات تدريبية رفيعة المستوى، مبنيّة بالكامل على “ضمانة اسمه وشرفه المهني” لحين توفر السيولة، ليصنع أضخم استثمار في الإنسان دون انتظار الميزانيات، ويحدث قفزة نوعية غير مسبوقة في كفاءة التعليم بشتى مدارس الولاية.

ولأن التعليم لديه كان رسالة وجود لا مصدر رزق، لم يرتهن عطاؤه يومًا بقيد الوظيفية ولا بأوراق المعاش؛ حيث واصل مسيرته في إدارة كبرى المؤسسات الخاصة النموذجية بنفس العنفوان الشغوف ليحرز معها أرفع النتائج. وعلى المقلب الآخر من حياته، كان قطبًا بارزًا في النادي الأهلي “سيد الأتيام”، مشبعًا بالروح الرياضية والشهامة، حاضراً ببديهة كالنمر، وكرمٍ ممدود، وقفشات ساحرة يطوق بها جلسائه؛ إذ كانت روح المداعبة لديه هي الجسر السحري الذي يعبر به إلى قلوب محبيه، يكسر بها حدة الصرامة الإدارية دون أن يفقد هيبته الجليلة.

رحل مأمون عبدالله محمد نور بخطفةٍ مباغتة أشبه بانسحاب الضوء في لحظة التجلي، تاركًا في نفوس طلابه وأقرانه وعارفي فضله حسرةً لا يرممها إلا الإيمان بعظمة ما قدمه، وذاكرةً حية ستبقى تُروى كلما ذُكرت الرجال الذين يصنعون المجد في صمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى