(مسارب الضي) د. محمد تبيدي يكتب … مناوي يطلب من سلفاكير إيقاف الحرب.. والأولى إغلاق الحدود أمام وقودها
طلب حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، من الرئيس سلفاكير ميارديت أن يضطلع بدور في مساعي إيقاف الحرب السودانية، وهو طلب مفهوم من حيث المبدأ، فجنوب السودان دولة جارة، تربطها بالسودان حدود طويلة ومصالح مشتركة وروابط اجتماعية وتاريخية عميقة.
وقد بحث مناوي تطورات الأزمة السودانية وأوضاع اللاجئين وأمن الحدود وسبل دعم السلام والاستقرار.
لكن، وبمنطق السياسة الواقعية لا المجاملات الدبلوماسية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أي دور نريده من جوبا؟
إذا كان المطلوب من سلفاكير أن يساعد في إيقاف الحرب، فإن أول وأهم خطوة يمكن أن يقدمها ليست عقد الاجتماعات ولا إصدار بيانات الوساطة، وإنما ضبط الحدود الجنوبية ومنع استخدام أراضي جنوب السودان ممراً للسلاح والمرتزقة والإمداد العسكري إلى أي طرف من أطراف الحرب.
فالوساطة الحقيقية تبدأ بإغلاق أبواب الحرب، لا بمحاولة إطفاء النار بينما تظل منافذ الوقود مفتوحة.
لقد أثارت تقارير سابقة مخاوف من استخدام أراضٍ في جنوب السودان كمسار لوجستي لمليشيا الدعم السريع، وخطوط إمداد عبر الحدود الجنوبية.
وهنا ينبغي أن يكون خطابنا واضحاً: جنوب السودان ليس مطالباً باختيار الجيش السوداني أو مليشيا الدعم السريع، وإنما مطالب باختيار السلام والاستقرار وعدم السماح بتحويل أراضيه إلى منصة للحرب في السودان.
والأمر لا يتعلق بجنوب السودان وحده. فالحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً فقد دخلتها عوامل إقليمية ودولية، وتقاطعت فيها المصالح والحدود ومسارات السلاح والمرتزقة. وتحدثت تقارير حديثة عن وجود مرتزقة أجانب يقاتلون إلى جانب الدعم السريع، وعن شبكات إمداد إقليمية معقدة.
ومن هنا فإن الحديث عن إيقاف الحرب يجب ألا يبدأ من الخرطوم وحدها، بل من مصادر الحرب وممراتها ومراكز إمدادها.
أما دولة الإمارات، وحليفتها مليشيا الدعم السريع، فإن مسؤولية المجتمع الدولي تجاهها ينبغي أن تكون واضحة: لا يمكن الحديث عن سلام حقيقي مع استمرار تدفق السلاح والتمويل والمقاتلين إلى ساحة المعركة. وفي المقابل، ينبغي أن تستند مثل هذه الكفالة الي التحقيقات الدولية.
والأخطر أن استمرار الحرب لا يهدد السودان وحده. جنوب السودان نفسه يعيش أوضاعاً هشة، وقد حذرت مجموعة الأزمات الدولية في مارس 2026 من انزلاق جنوب السودان مجدداً إلى الحرب.
وهنا نقول الجنرال القائد مني أركو مناوي: إن طلبكم من سلفاكير لعب دور في إيقاف الحرب صحيح، لكن المطلوب أن يكون طلباً كاملاً لا منقوصاً.
قولوا لسلفاكير: ساعدونا في السلام، نعم ولكن قبل ذلك أمّنوا الحدود، امنعوا التهريب، أغلقوا ممرات السلاح، لا تسمحوا بعبور المرتزقة، ولا تجعلوا أرض جنوب السودان جسراً تعبر عليه أدوات تدمير السودان.
فالسلام لا يُصنع بالكلمات وحدها، وإنما بإزالة الأسباب التي تطيل أمد الحرب.
ولسنا بحاجة إلى وسطاء كثيرين بقدر حاجتنا إلى موقف إقليمي صادق وشجاع يقول لكل الدول المتدخلة: ارفعوا أيديكم عن السودان، واتركوا للسودانيين فرصة إنهاء حربهم وبناء دولتهم.
لقد قال مناوي في وقت سابق إن الحرب لن تتوقف قبل تسليم مليشيا الدعم السريع سلاحه وانسحابه من المناطق التي يسيطر عليها، وهو موقف يوضح أن السلام في نظره لا يعني مجرد هدنة مؤقتة، بل معالجة أصل المشكلة.
ولذلك فإن الطريق إلى السلام يبدأ من قاعدة بسيطة:
أوقفوا السلاح أولاً، اضبطوا الحدود ثانياً، أوقفوا تمويل الحرب ثالثاً، ثم اجلسوا للسودانيين ليقرروا مستقبل بلادهم بأنفسهم.
فالذي يريد إطفاء الحريق، لا يكتفي بالصراخ من بعيد: بل يبحث عن مصدر النار ويغلقه.
السودان لا يريد حرباً مع جيرانه، ولا خصومة مع أشقائه، وإنما يريد أن يعيش آمناً موحداً. وجنوب السودان أكثر من يعرف ثمن الحرب، ولذلك فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه سلفاكير للسودان ليس مجرد وساطة سياسية، وإنما حدود آمنة، وموقف محايد، ومنع تحويل أراضيه إلى ممر للحرب.
من أراد السلام للسودان فليساعد على إغلاق أبواب الحرب،
ومن أراد إطفاء النار فليمنع عنها الوقود،
ومن أراد للسودانيين أن يجلسوا إلى طاولة الحوار،
فليترك لهم أولاً وطناً لا تعبث به أيدي المرتزقة والسلاح.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



