(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… الكاميرات الخفية

قال تعالى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [فصلت: 20]
في زمن أصبحت فيه كاميرات المراقبة تملأ الشوارع والمحلات، ينسى كثير من الناس أن هناك كاميرات إلهية خفية تراقبهم منذ تكليفهم إلى آخر يوم في حياتهم، لا تتعطل ولا تحتاج إلى صيانة ولا يمحو تسجيلها انقطاع للكهرباء.
إنها ثلاث كاميرات ربانية:
١/ السمع: سيشهد عليك بما كنت تصغي إليه، من غيبة ونميمة وباطل.
٢/ البصر: سيشهد بما كنت تنظر إليه، وكل نظرة محرمة منعت منها قد تم تخزينها وحفظها.
٣/ الجلود: وهي تشمل جميع الجوارح والفروج.
حينها يعاتب الإنسان جوارحه، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [فصلت: 21].
إنها لحظة عتاب مريرة، يدافع فيها العبد عن نفسه ويجادل، فيختم الله على فمه.
وقد روى سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك ذات يوم وتبسم فقال: «ألا تسألوني عن أي شيء ضحكت؟» قالوا: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: «عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: أي ربي أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى، فيقول: فإني لا أقبل علي شاهداً إلا من نفسي، فيقول الله تبارك وتعالى: أو ليس كفى بي شهيداً وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيردد هذا الكلام مراراً، فيُختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بُعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أجادل» [رواه مسلم].
وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: 65].
وهناك ثلاث كاميرات أخرى ذكرها الله في سورة النور: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24].
١/ الألسن
٢/ الأيدي
٣/ الأرجل
إنها تشهد حين يحاول العاصي أن يجحد ذنوبه في محاولة يائسة، وكفى به كذباً أن ينكر أعمالاً اقترفها أمام شهود من جسده.
ولا ننسى باقي الشهود:
فالملكان الكريمان لا يفارقانك: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18] و ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10-12] حتى يصرخ العبد يوم العرض: ﴿ مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف: 49].
والأرض نفسها ستأتي شاهدة: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ [الزلزلة: 4] ستحدث بما مورس على ظهرها من منكرات ومجاهرة بالمعاصي. أين نحن من هذا الشاهد؟ لقد اتخذنا الأرض ميادين للهو واللعب والرقص والمجون، ومتاريس للظلم والقتل.
انتبه أيها المسلم.. أنت تحت المراقبة الشاملة!
فالأجدر والأولى بالعبد العاقل أن يجعل شهادة جوارحه له لا عليه.
وينبغي ألا يقدم أحدنا على فعل أو قول أو خطوة حتى يعلم حكم الله فيها، وأن يكون المعيار الوحيد لحركة الحياة هو الحق والباطل، والصواب والخطأ، والحلال والحرام.
نقطة الضوء تقول: أصلح ما بينك وبين كاميراتك الخفية في الخلوات، يصلح الله ما بينك وبين الناس في العلن.



