(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… عافي منك !! … عبدالرحيم أرقي
يرحل الفنانون، لكن تبقى أصواتهم معلقة في ذاكرة الناس، كلما مرّ لحن أو استعادت القلوب لحظة صدق، غيّب الموت الفنان الكبير عبدالرحيم أرقي، أحد أعمدة أغنية الطنبور في السودان، فإذا بصوته يعود إلينا أكثر حضورًا من أي وقت مضى، وكأن القدر اختار أن يودعه الناس عبر أجمل ما غنى
(عافي منك)… واحدة من ابداعاته… هي رسالة أم سودانية مكتوبة بالحليب والدموع، ثم تحولت على يد علاء الدين عبدالرحيم أبسير إلى قصيدة، وعلى يد عبدالرحيم أرقي إلى حياة كاملة
منذ المطلع: (عافية منك وراضية عنك… سوا رضايا، وما بخيب الرضا والدتو يا جنايا) … لا تبدأ الأغنية بالغناء، وإنما تبدأ بالدعاء، والدعاء في الثقافة السودانية ليس مجرد كلمات، بل هو حصن الابن وسنده، ولذلك جاء النص محمّلًا بروح الأم السودانية التي لا تعرف لغة التكلف، وإنما تخاطب ابنها بقلبها
الكلمات تمتلك قدرة نادرة على رسم المشهد، فالأم هنا ليست شخصية خيالية، بل كل أم سودانية تخشى سفر ابنها، وتراه عصا شيخوختها، ودفء بيتها، وسبب بقائها، لذلك جاءت المفردات بسيطة، لكنها عميقة، تخاطب القلب قبل العقل ، لم يعتمد الشاعر على البلاغة المصطنعة، وإنما صنع بلاغته من صدق الإحساس، ولهذا بقيت الأغنية عصية على النسيان
أما اللحن، فهو من تلك الألحان التي لا تتزاحم فيها الآلات على حساب المعنى. لحن طنبور أصيل، يسير بهدوء، ويترك للكلمة مساحتها الكاملة، يبدأ وكأنه همس أم لولدها، ثم يتدرج مع تصاعد المشاعر، حتى يبلغ ذروته دون أن يفقد وقاره، لم يكن اللحن استعراضًا موسيقيًا، بل كان خادمًا للنص، ولذلك التصق به حتى صار من المستحيل أن تتخيل هذه الكلمات في لحن آخر
ويأتي الأداء… وهنا تتجلى عبقرية عبدالرحيم أرقي ، لم يكن يغني الكلمات، بل كان يعيشها، كان صوته يحمل دفء البيوت الشمالية، وهدوء النيل، وحنين القرى، ولذلك وصل مباشرة إلى وجدان المستمع. في كل مرة يردد فيها: (لا تسيب أمك تهاجر) … تشعر أنه لا يؤدي أغنية، بل ينقل وجع أم حقيقية تنتظر ابنها عند باب الدار
امتلك أرقي حنجرة لا تعرف الصخب، لكنها تعرف كيف تهزم الصخب بالصدق ، لم يحتج إلى المبالغة في الأداء، ولا إلى الزخارف الصوتية، لأن إحساسه كان يكفي ليحمل الأغنية إلى القلوب ، وهذا هو سر الفنان الحقيقي؛ أن يجعل المستمع ينسى المغني، ويتذكر الحكاية
لقد غنى عبدالرحيم أرقي للوطن، وللحب، وللتراث، لكنه في عافي منك غنى للأم، وهي الأغنية التي ستظل عنوانًا خالدًا لمسيرته الفنية. وربما لم يكن يعلم وهو يؤديها أنها ستتحول يومًا إلى مرثية غير مباشرة له، وأن الملايين سيستمعون إليها بعد رحيله بقلوب مثقلة بالحزن
لقد فقدت الساحة الفنية قامة كبيرة، وخسر الطنبور واحدًا من أكثر أوتاره عذوبة، لكن الفن الجميل لا يموت برحيل أصحابه، فكلما صدح صوت عبدالرحيم أرقي وهو يناجي الأم، سيعود حيًا بين الناس، وكأنه لم يغادر
رحم الله عبدالرحيم أرقي، فقد رحل الجسد، وبقي الصوت…. وبقيت عافي منك شاهدًا على أن الأغنيات العظيمة لا تُقاس بعدد سنواتها، وإنما بعدد الدموع التي تستطيع أن تستخرجها من العيون، وعدد الذكريات التي توقظها في القلوب
إني من منصتي أنظر … حيث أقول: سلامٌ على روحك… وسلامٌ على ذلك الصوت الذي علّم الطنبور كيف يبكي، وعلّمنا أن رضا الأم أعظم لحن يمكن أن يغنيه إنسان.



