مالو اعياه النضال بدني… الحلقة السابعة
الظهيرة- عبد الله حسن محمد سعيد:
كان يوما غائما من ايام الخريف الذي بدأت تباشيره بسماء غائم حيث تحولت الريح جنوبية باردة وبعضا من اتربة عالقة.
علمنا من اهلنا ان الامطار قد بدأ نزولها في الصعيد ، كنا نتصور ان هذا الصعيد يبعد عنا بمسافات لا تحدد اطوالها الا سلك نحاس متل الله ماخلق.
كنا ننتظر اجازة الفترة من المدارس حيث كانت مرتبطة بالعمل مع الاهل في زراعة البلدات وتحضيرات الموسم الصيفي في مشروع الجزيرة وهنا تنتابنا غصة في الحلوق تعقبها عبرات .
ودموع تسكب علي مشروع كان اساس الاقتصاد السوداني وكان بوتقة الانصهار القومي ولكن ذهب مع الريح وتلك قصة لها غصة ولنا معها موعد نتدارس فيه قصة المشروع المبتدأ والخبر .
في ذلك اليوم وفي طابور الصباح بعد نشيد العلم بصوت جماعي يهز الارض قوة وروعة من كل الفصول ومرور الناظر علي الصفوف يتفقد التلاميذ ونظافة ملبسهم الانيق المرتب الموحد افضي لنا بما جعلنا نتبسم فرحين ومستبشرين.
يدفعنا حب الاستطلاع لمعرفة المزيد عن ما افضي به قال لنا بان المدرسة في عصر اليوم ستشهد محاضرة يقدمها الرحالة السوداني خالد عشرية.
هنا توقفنا ونحن نرجع بذاكرة فتية الي قصص السندباد البحري وابن بطوطة وغيره من الذين قرأنا عنهم في الكتب استمتاعا بتلك المغامرات التي كانت تشدنا شدا للانتباه الي العالم الذي نعيش فيه بخيال جامح نركب امواج البحر العاية وتتكسر سفننا علي الشواطئ الصخرية ونعيش الرهبة والخوف ونستبشر بالنجاة.
كنا نظن ان العالم لا يتعدي ما عرفناه من مناطق حولنا يعيش فيها اهلنا المزارعون او مدن من التاريخ والجغرافية لا تتعدي وسط البلاد ..
رجعنا الي البيوت ونحن اكثر شوقا الي حضور ذلك الرحالة الذي رسمنا له صورة من الف ليلة وليلة كانه سوف يهبط لنا بصورة السندباد حينما يطوف بالعالم علي بساط الريح في رحلاته الي بلاد السند والواغ واغ .
كنت اتصوره وهو ينزل من بساط الريح يلبس قلنسوة تشبه قلنسوة رعاة البقر في امريكا وقلنسوات مصارعي الثيران في اسبانيا ..
ولما بان لنا ونحن جلوس علي كنبات الفصول التي اصطفت في نظام جميل ورتب جلوسنا حسب الاطوال .. وقفنا تحية له وجلسنا ننظر لذلك الرجل الربعة الابيض اللون وهو يلبس رداءا وقميصا وفي الرأس قبعة تشابه قبعة مفتشي الصحة ..
حدثنا عن البدايات في حي العشير وترحال النواتة علي المراكب وصيد السمك ومغامرات النيل بين التيار والرمال والوحوش في الغابات والجزائر وتمساح يبين هنا وهناك هذا عشاري يجغم جغم وذاك صغير تخاله ورل ولكن يبين من عينيه شراسة ووحشية منتظرة …
طوفنا معه علي اقاليم السودان جنوبه قبائل يحكي عن منقو زمبيري وعن البفرة والتيلبون وعن رث الشلك وغابات الصنوبر.
وشلالات انزارا وحدثنا عن الشمال بنخيله البازخ واثاره التي تقف شاهدا علي عظمة الانسان السوداني وسبق حضارته التي رسمت خطوطها في مروي والبركل والمسبعات وفي ارض المك نمر ومهيرة بت عبود وحدثنا عن الانقسنا وعن الوازا فنون تطربك وتشدك اليها شدا رحيما والي انسان سنجة وعن ابقار الانبررو وصور رجالهم ونسائهم بلباسهم المزركش الجميل.
طاف بنا الي عوالم الصوفية في ابي حراز وطيبة الشيخ عبد الباقي والي اليعقوباب وكهوف العباد وغار ودحسونة واستمتعنا بهذا السرد الذي جمع لنا بين التراث الشعبي وبين سير الافذاذ كرما وانتماءا وبركة وكان دوما يذكرنا بان السودان بلد متميز باهله وبتراثه وقصص البطولة التي تشربت بها قبائله المختلفة وبتآلف اهله وشجاعتهم ونحس يهز ويرز يستنطق الصخر العصي …
حدثنا عن ودمدني السني وعن ودكنان وعن جزيرة الفيل وعن امسنط والمسلمية والعيكورة والاميرة عكور وبادي ابو شلوخ حدثنا عن الشريف محمد الامين الهندي وودهجا وهسا اهيصا ..
وكان يقول لنا بأن الترحال له فوائد كثيرة اهمها الوقوف علي سير الرجال ومطارح وجودهم وثراء تجاربهم وعظمة سيرهم والاتعاظ بالاحداث والمواقف …
كان خالد عشرية يحدثنا ايضا عن الرحالة السودانيون واجلهم قدرا واكثرهم تطوافا الرحالة محمد عبدالسلام وكان من الذين يعرفون تاريخ السودان وتاريخ قبائله ونشأة قراه ومدنه وكريم عاداتهم وعلاقاتهم التي تعايشوا علي هديها …
ذلك زمان كان له في دواخلنا ذكري نعيش عليها ونذكرها لما فيها من دروس وعبر هادية الي ما يجعلنا جميعا نتمسك بذلك الارث الحضاري والثقافي الذي ابانوا لنا سبله وشكل في مسيده ودور قبائله ومرتع صبي قياداته وتاريخه هوية السودانيين المتميزة ..



