لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… جسارة العبور وعظمة الاختراق!!
عندما طوى بطل الإسلام المغوار خالد بن الوليد نحو ألف كيلومتر عبر صحراء السماوة العراقية في خمسة أيام حسوماً، ليفاجئ حشود الروم والأرمن، وعملاء الغساسنة، ومرتزقة السريان، والأوروبيين، والسلاف، والجيرمان، والفرس، وينتزع منهم نصراً تاريخياً ظل صداه يتردد في آذان العالمين، في معركة اليرموك الخالدة.
ولعل الإصغاء إلى ذلك الصدى هو الذي هدى رئاسة الأركان وهيئة العمليات إلى أن تبدع في رسم خططها العسكرية في مسرح العمليات بكردفان ودارفور، حيث نفشت دواب الجنجويد الفاسدة المفسدة، وسيطرت على بعض مدن الإقليمين بعد أن طُردت من العاصمة والولايات، وأخضعت السكان بالبطش والقسوة، وفرضت واقعاً بالغ الإهانة للإنسان، مستعينةً بكل صنوف المرتزقة من كل حدب وصوب لإنفاذ مشروعها الإجرامي ذي الجذور الصهيونية ووكلائها في المنطقة. فاختلطت الحواضن بعربان الشتات، وبالمغامرين من كولومبيا وأوكرانيا وروسيا، وبالمستغفلين من غرب أفريقيا، وضحايا الجهل والبطالة من الجنوبيين والأحباش، وكل ذلك تحت ديباجة “قحت” بمختلف مسمياتها وأقنعتها.
لقد كان الالتفاف البعيد، والاختراق العميق الذي نفذته القوات المسلحة والقوات المشتركة، قبساً من ذلك النور، وجذوةً من تلك النار؛ إذ طوت ركائب التاتشرات الصحراء المفتوحة في هذا الصيف اللاهب بعزم لا يعرف التردد، وإرادة لا تلين، لتنقض على العدو من الخلف، من حيث لم يحتسب. فقد توهم أن دارفور بمنأى عن أي تأثير مباشر، فأقام خطوطه الدفاعية على امتداد القطاع الكردفاني، من بارا وسودري شمالاً إلى كاودا جنوباً، مروراً بالنهود والخوي والدبيبات، وتخوم كادوقلي والدلنج، معتمداً على هذا الخط في حماية مكتسباته بدارفور، ومراهناً على أسلوب الفزع والتداعي الذي درجت عليه المليشيا.
وبناءً على هذا التقدير، الذي اتسم خلال الفترة الماضية بشيء من الثبات النسبي، دفعت المليشيا بقواتها نحو الأبيض، محاولةً خلق حالة من عدم الاستقرار، وتسويق صورة توحي بامتلاك زمام المبادرة، والتطلع إلى التقدم شمالاً، رغم يقينها باستحالة ذلك. غير أن هذه الخطوة لم تكن سوى جزء من تخطيط أوسع تديره غرفة العمليات الدولية التي تتولى كِبَر هذه الحرب.
غير أن المفاجأة التي صنعتها عمليات الجيش والقوات المشتركة في شمال وغرب دارفور قلبت موازين القوى رأساً على عقب، وغيرت الموقف العملياتي، وأربكت تمركزات المليشيا، ونسفت حساباتها، وذلك من خلال:
– قطع طرق الإمداد القادمة من ليبيا وتشاد، بما ينعكس مباشرة على قدراتها القتالية.
– كشف ظهر المليشيا، وتسرب الهزيمة إليها من الخلف.
– التراجع الواضح في الروح المعنوية، وفقاً لما رُصد من تواصل بين أفرادها ومجموعاتها.
– إسقاط أي نية لحصار الأبيض أو التقدم شمالاً.
– رصد موجات هروب واسعة، ومحاولات للتخلص من الأسلحة والمركبات ببيعها في الأسواق الحدودية.
– عودة أهل الأرض من معسكرات اللجوء والنزوح إلى ديارهم، بما يعني عملياً سقوط مشروع الاستيطان البديل.
– انهيار المشروع السياسي الموازي للجنجويد، ممثلاً في حكومة “تأسيس”، التي لا تستند إلا إلى الوضع العسكري للمليشيا.
– إصابة داعمي المليشيا، إقليمياً ودولياً، بإحباط كبير بعد أن راهنوا على إسقاط الدولة السودانية وتغيير هوية المجتمع والدولة.
وفي المقابل، فإن عمليات الجيش والقوات المشتركة في كردفان، وشمال وغرب دارفور، وكذلك في النيل الأزرق، حيث حققت الفرقة الرابعة انتصارات باهرة، وأغلقت المنافذ التي أُريد النفاذ منها إلى قلب السودان، بدعم حبشي واضح وما وراءه من تآمر، أكدت أن زمام المبادرة بات في يد القوات النظامية.
لقد أثبتت الوقائع أن أرض السودان تعرف أبناءها، ولن تستسلم لغريب أجنبي أو مرتزق، وهو ما أكدته النجاحات الميدانية، كما أكده التفاعل الشعبي، واستقبال المواطنين الذين بقوا في مدن وقرى دارفور لمتحركات الجيش والقوات المشتركة، رغم ما ذاقوه من ويلات الحرب والحصار الجنجويدي القاسي.
كل التحايا، والتقدير، والإشادة بهذه النَفَس الإبداعي في إدارة مسار العمليات، وما جسدته من جرأة في التخطيط، ودقة في التنفيذ، وحسن في استثمار عنصر المفاجأة.
أما سياسياً، فعلى القيادة أن تقفل آذانها. هذه بطينة، والتانية بعجينة، حتى لا تنفذ إليها وساوس شياطين الإنس في الأمم المتحدة، ولا دعوات الوسطاء المرتشين، المطالِبة بوقف القتال تحت دعاوى إنسانية.
فالشعار الذي أجمع عليه الناس هو:
بل بس.
والله غالب.



