(قعقعة الحروف) د. عمر الفاروق حسن صالح قيلي يكتب… َالتشوّه المعرفي ومتلازمة (القبيلة)جذور الحسد المجتمعي والسياسي في السودان

*الحلقة الثالثة*
يتجاوز الحسد حدوده الفردية ليغدو ظاهرةً بنيويةً مدمّرةً في المشهد السياسي والمجتمعي السوداني، متغذّيًا على عقودٍ من ثقافة الندرة، وعلى أنماطٍ من المقارنات الاجتماعية المختلّة، التي تجعل نجاح الآخر مصدرًا للقلق بدل أن يكون باعثًا على الاقتداء والتنافس الشريف.
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن مشاعر الضيق والعداء الجمعي قد تتفاقم في البيئات التي تتراجع فيها فرص التنمية وتتقلص فيها الموارد، فيُنظر إلى نجاح الفرد أو الإقليم أو صاحب الكفاءة والتميّز الفكري، وكأنه انتقاصٌ من نصيب الآخرين أو تهديدٌ مباشر لمواقعهم ومصالحهم.
وهنا يبدأ التشوّه المعرفي في أداء دوره؛ إذ لا يعود الإنسان يرى النجاح بوصفه قيمةً مضافةً للمجتمع، وإنما يفسّره باعتباره امتيازًا حصل عليه آخرون على حسابه. ومن ثمّ تتحول المنافسة الطبيعية إلى خصومة، والاختلاف إلى عداوة، والنجاح إلى تهمة تحتاج إلى تبرير.
أما على الصعيد السياسي، فيتجلى هذا الحسد في واحدة من أخطر صوره من خلال (اللعبة الصفرية)؛ وهي عقلية تقوم على تصورٍ مفاده أن مكسب الآخر لا بد أن يكون خسارةً لي، وأن صعود طرفٍ لا يتحقق إلا بإسقاط الطرف الآخر. وفي ظل هذه العقلية، يصبح الشعار الضمني: (لكي أنجح أنا، يجب أن تفشل أنت).
وبدل أن تقوم المنافسة السياسية على البرامج والرؤى والتراكم الوطني، تنزلق إلى حملاتٍ ممنهجة للتسقيط، والتشويه، والاغتيال المعنوي للرموز الوطنية والكفاءات المستقلة، فيتحول الاختلاف السياسي من وسيلةٍ لإثراء التجربة الوطنية إلى أداةٍ لإقصاء الآخر والنيل منه.
كما أن تسييس الخدمة المدنية وإخضاع بعض مفاصلها لمنطق الولاءات وتبادل المصالح الضيقة، أسهما في تعميق هذه الظاهرة؛ فأصبح الإنجاز الفردي يُستقبل أحيانًا بالريبة بدل الإشادة، وتُحاصر المبادرات الوطنية بالتشكيك وسوء الظن، لا لأنها تفتقر إلى القيمة، وإنما لأن أصحابها قد لا ينتمون إلى الدائرة التي اعتاد البعض أن يرى النجاح من داخلها فقط.
وهنا تبرز (متلازمة القبيلة) بوصفها أحد أخطر مداخل الحسد المجتمعي؛ فالانتماء القبلي في ذاته ليس المشكلة، وإنما تكمن الخطورة حين يتحول من رابطةٍ اجتماعية طبيعية إلى معيارٍ للحكم على الكفاءة والجدارة والاستحقاق. عندها لا يعود السؤال: ماذا يستطيع هذا الشخص أن يقدم؟، بل يصبح: من أي قبيلة جاء؟ ومن يقف خلفه؟ وإلى أي دائرةٍ اجتماعية ينتمي؟
وعندما تُقدَّم العصبية على الكفاءة، ويُقدَّم القرب الاجتماعي على الاستحقاق، يصبح المجتمع أمام معادلةٍ خطرة: يُحارب الناجح لأنه ليس (منّا) ويُرفع غير الكفء لأنه (منّا).
وهذه ليست مشكلةً اجتماعية فحسب، بل هي أزمةٌ في الوعي الجمعي ومعايير الحكم على الأشخاص والإنجازات؛ لأنها تقتل روح المبادرة، وتدفع أصحاب الكفاءات إلى الانكفاء أو الهجرة، وتفتح الباب أمام صعود من يجيدون لعبة الولاءات أكثر مما يجيدون صناعة الإنجاز.
إن أخطر ما يفعله الحسد حين يتحول إلى ثقافةٍ عامة، أنه لا يكتفي بإيذاء الناجح، بل يبدأ في معاقبة المجتمع بأكمله على نجاح أبنائه؛ فيصبح التفوق مدعاةً للخوف، والتميز سببًا للاستهداف، والمبادرة تهمةً تحتاج إلى الدفاع عن نفسها.
ولذلك، فإن معركة السودان مع الحسد المجتمعي والسياسي ليست معركةً ضد مشاعر فردية عابرة، وإنما هي معركةٌ ضد منظومةٍ من الأفكار والتصورات المشوّهة التي تجعل من الآخر خصمًا لمجرد أنه نجح.
فحين يصبح نجاح الفرد تهديدًا للجماعة، ونجاح الجماعة تهديدًا للقبيلة، ونجاح القبيلة تهديدًا للآخرين، فإن المشكلة لم تعد في الحسد وحده… بل في العقل الذي أنتجه، والبيئة التي سمحت له أن يتحول إلى سلوكٍ سياسي واجتماعي.
وهنا تكتمل دائرة السؤال: كيف يتحول الحسد من شعورٍ داخلي في النفس إلى سلوكٍ هادمٍ للمؤسسات والمجتمعات؟
ذلك ما سنحاول تفكيكه في الحلقة القادمة من *(قعقعة الحروف)*



