عثمان يونس يكتب… صرخة نازحة هل من مجيب؟ وا عمراه!

مابين شوالات بلاستيك وكرنك مبنى بالحطب ونوم على الأرض وملابس لا تقي بردا وفي ركنٍ قصي من مراكز الإيواء على أطراف الأبيض، ترفع نازحة يديها إلى السماء، وتطلق صرخة تمزق سكون الليل:
وا عمراه… هل من مجيب؟
ليست كلماتها حروفا تقال، بل وجعٌ تكسّر على حواف النزوح، وحكاية بيتٍ تهدم، ومزرعةٍ أُحرقت، وطفلٍ يسألها كل مساء:
متى نعود يا أمي؟
خرجت من ديارها في غرب كردفان تحمل ما خف من المتاع، وما ثقل من الذكريات. تركت خلفها جدارا كانت تستند إليه، وشجرة نيمٍ ظللت طفولتها، وقبرَ أمّ لم تستطع أن تودّعه كما يليق. مضت والطريق أطول من قدرتها على الاحتمال، لكن الخوف كان أسرع من خطواتها، فاختارت النجاة بأطفالها على أن تبقى شاهدة على انهيار كل شيء.
اليوم تفطر على قليل، وتكتم كثيرا. تبتسم أمام صغارها كي لا ينكسروا، وتبكي إذا ناموا كي لا يروها ضعيفة. تحاول أن تصنع من العدم حياة ، ومن الشظايا وطنا صغيرا داخل خيمةٍ مهترئة. تجمع أبناءها حول صحنٍ بسيط، وتزرع فيهم طمأنينة مصطنعة، تخفي خلفها خوفا مقيمًا في صدرها منذ ليلة الرحيل.
صرختها ليست تمردا ، ولا شكوى من قضاء الله، بل رجاء في عدل السماء، وفي ضمير الأرض. تقول بصوتٍ خافتٍ تارة، وبأنينٍ مكسورٍ تارة أخرى:
أين الذين أقسموا أن يحفظوا الديار؟
أين الذين وعدونا أن يعود الأمن لنعود لديارنا ؟
أين من يسمع أنين امرأةٍ أنهكها الانتظار؟
( وا عمراه ) ليست نداء شخصٍ بعينه، بل نداء عدلٍ غاب، ونصرةٍ تأخرت، وكرامة تستعاد. هي لا تطلب المستحيل ، ولا تبحث عن امتيازٍ خاص ، بل تريد سقفا آمنا ، ومدرسة لأبنائها، ودواء لمريضها ، وطريقا يعود بها إلى بيتها الذي ما زال يسكنها وإن غابت عنه.
النازحون ليسوا أرقاما في تقارير ، ولا صورا عابرة في نشرات الأخبار، بل قلوب حية ، وأحلام معلقة بين السماء والأرض. في عيونهم بقايا وطن ، وفي صدورهم يقين بأن العودة حق، مهما طال الطريق.
يا من تقرا هذه الكلمات ، إن لم تستطع أن تحمل عنها وجعها، فلا أقل من أن تحمل صوتها. فربما تكون صرخة نازحة اليوم، هي صرخة وطنٍ بأكمله غدا.
هل من مجيب؟



