مقالات الظهيرة

(شـوكة حـوت) ياسرمحمدمحمود البشر يكتب… الوصية الأخيرة للشهيد مهند بشـــرى يعقـــوب!!

*فى زمنٍ تتجلى فيه خيارات الرجال بين القعود والنداء يسطع نجم الشهداء كعلامات فارقة في تاريخ الشعوب يرسمون بدمائهم الزكية خطوط الفاصل الحاسم بين العز والهوان لم يكن الشهيد العقيد ركن مهند بشرى يعقوب مجرد قائد عسكرى يقود جنوده في ساحات المعارك بل كان رمزاً للشجاعة والإقدام ومثالاً حياً لتربية المبادئ التى تضع الوطن ومقدساته فى كفة والروح وما ملكت فى الكفة الأخرى حيث شهد يوم الجمعة الماضى الموافق الرابع عشر من أغسطس لعام ٢٠٢٦م ملحمة جديدة فى كتاب الفداء السودانى رحل فيها العقيد ركن مهند بشرى يعقوب مقبلاً غير مدبر مقداماً لا يعرف الخوف والتردد إليه سبيلاً لقد كانت أرض شمال كردفان على موعد مع مسك الدماء حين اختار هذا القائد الفذ أن يكتب السطر الأخير من حياته الحافلة بالعطاء بمداد من النور والكرامة شاهداً على أن الأرض التى تحرسها القلوب المخلصة لا تُستباح بسهولة*.

 

*بالأمس يوم الأحد الموافق السادس عشر من أغسطس قادتنى خطاى لزيارة أحد مصابى تلك المعركة الفاصلة فى المستشفى كان الجرح فى جسد ذلك الجندة المجهول غائراً لكن بريق الفخر فى عينيه كان أشد عمقاً ووضوحاً بين أنفاسه المجهدة ونبرة صوته الممزوجة بالشجاعة والوفاء فتح لى نافذة على الدقائق الأخيرة من حياة قائد لم تهزمه سياط الموت بل صنع منه بوابة للخلود حدّثني هذا الجندى الملازم لقائده كيف أن منطقة أم عردة بشمال كردفان كانت على موعد مع هجوم غاشم شنته المليشيا المسلحة بكثافة بغية الاختراق وفى تلك اللحظات الفاصلة التي تتزلزل فيها الأقدام وقف العقيد مهند كالطود الشامخ يتقدم صفوف جنوده يوجه ويثبت ويمارس مهامه ليس فقط كقائد عسكرى يصدر الأوامر بل كأخ وأب يتقدم الفرسان يصد الرماد ويذود عن حمى الأرض بكل ما أوتى من قوة وإيمان*.

 

*استبسل العقيد مهند فى تلك الملحمة استبسال الأبطال الذين ينتمون إلى طينة سودانية أصيلة فلم ينحنِ أمام كثافة النيران ولم يركن إلى الحذر الداعى للتراجع كان يرى في كل شبر من أم عردة أمانة يجب ألا تسقط فاستمر يقاتل بصلابة وبأس شديدين يعلم جنوده البيان بالعمل قبل القول كيف يكون الدفاع عن العرض والأرض حتى جاءت تلك اللحظة القاسية التى أصيب فيها جرحاً بالغاً أوقعه على أرض المعركة التى أحبها وسارع بعض من جنوده وفصيله المقرب تحت دوى الرصاص وانهمار القذائف بالالتفاف حوله فى محاولة لإخلائه وإسعافه ساد الذهول وجوههم وكانت القلوب تبكى قبل العيون على قائدٍ رأوا فيه الأمل والقدوة لكن القيادة فى عقيدة مهند بشرى لم تكن يوماً سلطة أو جاه بل كانت روحاً تسرى حتى النزع الأخير فلم تشغله جراحه النزيفة عن بوصلة المعركة وواجبها المقدس*.

 

*وفى تلك اللحظات الملكوتية المحاطة بالمهابة والتاريخ يقف مشدوداً ليلتقط كلمات الوداع نظَرَ العقيد مهند إلى وجوه جنوده الملتفين حوله ولم ينطق بكلمات الضعف أو الحسرة لم يتذكر إبنه الوحيد الذى ينتظر عودته ولم توقفه صورة والدته أو زوجته التى تنتظر مكالمة منه بل قفز فوق كل روابط الطين والدم وشخصت بصائره نحو أمانة الوطن التى يحملها بين أضلعه فى تلك اللحظات قال لهم بالحرف الواحد بصوت ثابث ونبرة لا تعود للوراء عليكم بـالثبات ولا تجعلوا المليشيا تعبر من هذا المحور كانت هذه الوصية النارية بمثابة صاعقة ألقت بالقوة فى قلوب رجاله أمراً عسكرياً وأخلاقياً يمنع السقوط أو التراجع ورسالة واضحة بأن الوطن يتسامى فوق جميع العلاقات الخاصة وأن المحور الذي يقف فيه الرجال لا يُسلم إلا على أجسادهم*.

 

نـــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*لم يكتَفِ القائد الشهيد مهند بشرى بوضع الخارطة لجنوده بل أخبرهم بوعى العارف ويقين المؤمن أنه قد وصل إلى محطته الأخيرة فى هذه الحياة الدنيا وأن دوره العسكرى والجسدى ينتهى هنا ليبدأ دورهم هم في إكمال المسيرة ثم ارتفع صوته بنطق الشهادتين (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) ثم فاضت بعدها روحه الطاهرة إلى بارئها مطمئنة، راضية ومخلفة وراءها أثراً لا يمحوه الزمن*.

 

ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة

 

*إن سيرة الشهيد العقيد ركن مهند بشرى يعقوب لن تكون مجرد قصة تُروى فى مجالس العزاء بل ستظل وثيقة تاريخية تتوارثها الأجيال في الشجاعة والتضحية لقد أثبت هذا البطل أن القادة الحقيقيين لا يورثون أبنائهم وصايا الخوف أو التأمين الشخصى بل يورثون أممهم أمجاد الثبات ويتركون لجنودهم دستوراً من الصبر والصمود يضىء لهم ظلمات المعارك فرحم الله الشهيد مهند وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء*.

 

yassir.mahmoud71.gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى