مقالات الظهيرة

سلسلة الحوار السوداني–السوداني… حين يصبح الاستماع أساسًا للتفاهم وبناء الوطن!!

الحلقة الثانية: الحوار ليس جلسة… بل ثقافة

حين يصبح الاستماع أساسًا للتفاهم وبناء الوطن

كثيرًا ما نتحدث عن الحوار باعتباره مؤتمرًا يجمع الفرقاء، أو اجتماعًا تنتهي أعماله ببيان وتوصيات، لكن الحوار الحقيقي أوسع من ذلك؛ فهو ثقافة تبدأ في طريقة تفكيرنا، وتظهر في أسلوب تعاملنا مع من يختلفون معنا.

لقد عانى السودان طويلًا من تحوّل الخلافات السياسية والاجتماعية إلى خصومات عميقة، ومن ضعف المساحات التي تسمح بتبادل الرأي دون تخوين أو إقصاء. ومع امتداد الأزمات، أصبح بعضنا ينظر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا، وإلى الرأي المخالف باعتباره موقفًا عدائيًا. وهنا تكمن إحدى العقبات التي تعترض طريق التوافق الوطني.

إن الحوار لا يبدأ عندما يجلس القادة حول طاولة واحدة، بل يبدأ عندما نعترف بأن الحقيقة لا يحتكرها فرد أو جماعة، وأن الاستماع إلى الآخرين لا ينتقص من قناعاتنا، وأن مراجعة المواقف ليست ضعفًا، بل دليل على النضج والمسؤولية.

والحوار الذي يحتاجه السودان لا ينبغي أن يظل حبيس النخب السياسية؛ بل يجب أن يمتد إلى المجتمع، وإلى المؤسسات التعليمية والإعلامية، ومجالس الإدارات، والقرى والأحياء. فالمزارع والعامل والمعلم والشاب والمرأة، جميعهم يملكون تجارب ورؤى تسهم في فهم مشكلات البلاد وصياغة مستقبلها.

كما أن ثقافة الحوار تقتضي الفصل بين نقد الفكرة والإساءة إلى صاحبها، وبين الاختلاف السياسي والطعن في الوطنية، وبين المطالبة بالحقوق والتحريض على الآخرين. فلا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل خطاب يوزع صكوك الوطنية، أو يحوّل كل خلاف إلى معركة وجودية.

ولا يعني الحوار أن نتجاوز العدالة أو ننسى حقوق المتضررين؛ فالتفاهم الوطني يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، ومعالجة المظالم، واحترام القانون. كما يحتاج إلى إرادة صادقة تجعل الاتفاق وسيلة لحل المشكلات، لا مجرد فرصة لتبادل المواقف وكسب الوقت.

إن بناء ثقافة الحوار مسؤولية مشتركة، تبدأ من قدرتنا على ضبط لغتنا، واحترام اختلافاتنا، والبحث عن المشترك الذي يجمعنا. فالمؤتمرات قد تنتهي، والوثائق قد تُحفظ، لكن أثر الحوار الحقيقي يبقى في سلوك الناس وفي قدرة المؤسسات على إدارة الاختلاف بعدالة.

السودان اليوم لا يحتاج إلى طاولات حوار أكثر بقدر ما يحتاج إلى عقول وقلوب تؤمن بأن الاختلاف لا يمنع التعايش، وأن الوطن لا يُبنى بصوت واحد، بل بتعدد الأصوات واحترامها.

فهل نستطيع أن نجعل الحوار أسلوب حياة، قبل أن نطلب منه أن يكون طريقًا لإنقاذ الدولة؟

محمد الأمين عبدالباقي

رئيس منبر الوعي السوداني

الوعي يوحد… والحوار يبني… والوطن ينتصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى