مقالات الظهيرة

(أذان صاغية) دعوة إلى سلام المجتمع.. العفو والتسامح لترميم ما خلّفته الحرب في النفوس والعلاقات الاجتماعية!!

بقلم د/ عامر ابراهيم محمد المحامي

باحث في القانون الدولي الإنساني

لم تخلّف الحرب التي عاشها السودان دماراً في المنازل والمؤسسات والبنية التحتية فحسب، بل تركت جراحاً عميقة في النفوس، وأثراً بالغاً في العلاقات الاجتماعية والأسرية، وأحدثت تصدعات في الروابط التي ظلت تجمع الأهل والأقارب والجيران والمعارف على مدى سنوات طويلة. فقد فرضت ظروف الحرب القاسية واقعاً استثنائياً لم يألفه المجتمع السوداني، ودفع كثيراً من الناس إلى تصرفات ومواقف ربما لم تكن لتحدث في الظروف الطبيعية.

فقد شهدنا حالات طرد لبعض الأقارب من المنازل، وخلافات بين الأهل والجيران، وقطيعة بين من جمعتهم صلات الرحم والجوار والصداقة. كما وقعت تجاوزات بسبب الخوف من اعتداءات المليشيا المتمردة، أو تحت ضغط الظروف المعيشية القاسية، وصلت في بعض الحالات إلى الإرشاد عن ممتلكات الأقارب والجيران، أو الاعتداء على أموالهم وممتلكاتهم وسرقتها. وهي تصرفات مؤلمة ومرفوضة، ولا ينبغي تبرير الظلم أو الاعتداء على حقوق الآخرين، لكنها في الوقت ذاته تستدعي منا أن ننظر إلى ما جرى بعين الحكمة والرحمة، وأن ندرك حجم المحنة التي مر بها الناس.

لقد عاش أهل السودان ظروفاً تفوق التصور، وتجاوزت في قسوتها قدرة كثير من النفوس على الاحتمال والتقدير السليم. فمن الناس من فقد بيته، ومنهم من فقد مصدر رزقه، ومنهم من عاش الخوف والتشريد والجوع، ومنهم من وجد نفسه أمام خيارات صعبة في لحظات لم يكن يملك فيها رفاهية التفكير الهادئ. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب منا ألا نحاكم بعضنا بعضاً بمعايير الحياة الطبيعية، دون أن نغفل في الوقت نفسه حق المظلوم وضرورة رد الحقوق إلى أصحابها.

العفو والتسامح من أعظم قيم الإسلام

لقد جعل الإسلام العفو والتسامح والإصلاح بين الناس من مكارم الأخلاق، ودعا إلى مقابلة الإساءة بالإحسان متى كان ذلك ممكناً، فقال الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].

وقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22].

وهذه الآية الكريمة تحمل رسالة عظيمة لكل من يحمل في قلبه غضباً أو ضغينة تجاه قريب أو جار أو صديق؛ فكما نرجو مغفرة الله ورحمته، علينا أن نفتح أبواب العفو والصفح، وأن نمنح بعضنا فرصة جديدة لتجاوز آثار المحنة.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً» رواه مسلم. وهذا توجيه نبوي كريم يؤكد أن العفو ليس ضعفاً أو تنازلاً عن الكرامة، وإنما رفعة في الأخلاق وقوة في النفس.

كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه. فأين نحن من هذا التوجيه العظيم إذا تركنا خلافات الحرب تهدم ما بقي من روابط الأخوة والرحم والجوار؟

لا سلام للمجتمع دون إصلاح ذات البين

إن إعادة بناء السودان لا تبدأ بإعمار المنازل والطرق والمؤسسات وحدها، وإنما تبدأ أيضاً بإعمار النفوس وترميم العلاقات الاجتماعية. فالمجتمع الذي تتسع فيه دائرة الشك والانتقام والخصومة لن يستطيع أن يستعيد عافيته بسهولة، مهما توفرت له مقومات البناء المادي.

علينا أن نطرق أبواب بعضنا، وأن نتفقد من انقطعت صلتنا بهم، وأن نعيد وصل الأرحام، وأن نفتح صفحة جديدة مع الجيران والمعارف، وأن نحتوي أبناءنا وإخواننا وأقاربنا الذين ربما دفعتهم ظروف الحرب إلى مواقف وتصرفات غير لائقة. ولنتذكر أن التسامح لا يعني إنكار الخطأ أو إهدار الحقوق، فمن سُرقت ممتلكاته أو أُخذ ماله ظلماً فله حق المطالبة به، ومن وقع عليه ضرر فله حق الإنصاف، ولكن ينبغي ألا تتحول المطالبة بالحقوق إلى باب للانتقام وتصفية الحسابات.

وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10].

إنها دعوة صريحة للإصلاح، وهي مسؤولية لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، بل تبدأ من الأسرة، ومن رب المنزل، ومن كبار العائلة، ومن أئمة المساجد، والقيادات المجتمعية، وكل صاحب كلمة مسموعة وتأثير طيب في محيطه.

السودان يحتاج إلى قلوب متسامحة

إن ما حدث لأهل السودان أكبر من أن تستوعبه الكلمات، وأعمق من أن تختصره الروايات. فقد عاش الناس تجربة قاسية اختلط فيها الخوف بالفقد، والحاجة بالتشرد، والقلق على النفس والأهل والممتلكات. ومن الحكمة أن نمنح بعضنا الأعذار، وأن نتحلى بحسن الظن، وأن نتذكر أن لكل إنسان ظروفاً قد لا نعرف تفاصيلها.

فلنترك مساحة للعفو، ولنغلب صوت الحكمة على صوت الغضب، ولنقدم مصلحة الأسرة والمجتمع والوطن على الرغبة في الانتقام. فمن حقنا أن نحزن على ما فقدناه، ومن حقنا أن نطالب برد المظالم، ولكن من واجبنا أيضاً ألا نورث أبناءنا خصومات الحرب وأحقادها.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى إعادة إعمار الحجر وحده، بل يحتاج إلى إعادة إعمار الإنسان، وإحياء قيم التكافل والتراحم والتعاضد التي عُرف بها المجتمع السوداني. فلنجعل من المحنة بداية لمراجعة النفس، وتصحيح الأخطاء، وتجديد العهد على صلة الرحم وحفظ حقوق الجار وإكرام القريب والعفو عند المقدرة.

ختاماً، إن الحرب قد تفرق الأجساد وتباعد بين البيوت، لكنها لا ينبغي أن تنجح في تفكيك المجتمع وتمزيق نسيجه الاجتماعي. فلنصفح عما يمكن الصفح عنه، ولنرد الحقوق إلى أصحابها، ولنصلح ما انقطع من علاقاتنا، ولنجعل من التسامح جسراً للعودة إلى الحياة الطبيعية.

فالوطن الذي نريد بناءه لا يقوم على الأنقاض وحدها، وإنما يقوم على المحبة والثقة والرحمة والتسامح. ولنتذكر دائماً قول الله تعالى:

﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128].

اللهم ألّف بين قلوب أهل السودان، وأصلح ذات بينهم، وأذهب عنهم البغضاء والشحناء، واجعل ما مروا به سبباً في اجتماع كلمتهم وعودة المحبة والتراحم إلى بيوتهم ومجتمعهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى