رؤى وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل… هيهات أن تقتلوا شيخ الزين… يا سَقَطَ المتاع!

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي
رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية، مجلس الصداقة الشعبية العالمية
ليست كلُّ معركةٍ تُسمع فيها أصواتُ المدافع، ولا كلُّ اغتيالٍ تُراق فيه الدماء؛ فثمّة اغتيالٌ آخر أشدُّ خفاءً، تُطلق فيه الكلماتُ كالرصاص، وتُفبرك فيه الصور والمقاطع، وتُصنع فيه الأكاذيب صناعةً، ثم تُدفع إلى الناس دفعًا، لعلها تنال من رجلٍ أو عالمٍ أو داعيةٍ أو قارئٍ للقرآن.
وهذه هي الفتنة حين تتزيّن بثوب التقنية، وتدخل البيوت من شاشات الهواتف، وتستعين بالفبركة والذكاء الاصطناعي لتصنع من الباطل صورةً تشبه الحقيقة، ومن الكذب مشهدًا يظنه الغافل وثيقةً ودليلًا.
ولكن هيهات!
هيهات أن تقتلوا شيخ الزين بالشائعة، وهيهات أن تطفئوا نور القرآن بفيديو مفبرك، وهيهات أن تهدموا في قلوب الشباب قدوةً بناها القرآن خلال أعوامٍ من الحفظ والتلاوة والتربية.
فالذين يحملون كتاب الله لا تُقاس مكانتهم بما يُقال عنهم في لحظة غضب، ولا بما تصنعه أيدي المزوّرين، وإنما بما تركوه من أثرٍ في القلوب، وما بثّوه من خير، وما قرّبوا به الناس من كتاب الله.
شيخ الزين… صوتٌ خرج من رحاب القرآن
لقد نشأ الشيخ الزين في رحاب القرآن، وأتم حفظ كتاب الله في سنٍّ مبكرة، ثم مضى في طريق العلم والتجويد والتفسير، حتى أصبح صوته النديّ الشجيّ مألوفًا في آذان الناس، قريبًا من قلوب الشباب قبل الكبار.
وليس أعظم من أن يجد الشاب في زمانٍ كثرت فيه المغرياتُ والفتنُ قدوةً تحمل القرآن، وتعيش معه، وتدعُو إليه بصوتٍ خاشعٍ وسلوكٍ هادئ.
إن أعظم ما فعله الشيخ الزين، في نظر محبيه، أنه جعل القرآن قريبًا من جيلٍ ربما كان يحتاج إلى من يفتح له بابًا إلى كتاب الله.
وهنا نفهم لماذا يستهدف أصحاب الأهواء الرموز المؤثرة.
فالمقصود أحيانًا ليس الشخص وحده، وإنما المعنى الذي يمثله الشخص.
يريدون أن يقولوا للشاب: لا تثق في أحد.
ويريدون أن يقولوا للناس: لا قدوة لكم.
ويريدون أن يجعلوا كل صاحب فضلٍ متهمًا، وكل صاحب رسالةٍ مشبوهًا، وكل رمزٍ صالحٍ هدفًا للاغتيال المعنوي.
لكنهم لا يعلمون أن الأمة التي تربّت على القرآن لا تهدمها شائعة، ولا تسوقها صورةٌ مصطنعة، ولا تحكم على الناس بمقطعٍ مجهول المصدر.
القرآن سبق عصر الشائعات
ما أعجب القرآن!
كأنه يخاطب عصرنا هذا قبل أن تأتيه وسائل التواصل الاجتماعي بعشرات القرون:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
[الحجرات: 6].
فتبيّنوا!
ليست كلمةً عابرة.
إنها ميزانٌ للأمة.
تبيّنوا قبل أن تصدقوا.
تبيّنوا قبل أن تنشروا.
تبيّنوا قبل أن تتهموا.
تبيّنوا قبل أن تجعلوا هواتفكم أبواقًا للفتنة.
تبيّنوا قبل أن تكونوا شركاء في ظلم إنسانٍ بريء.
فربما ضغط المرء زرًا واحدًا في هاتفه، فإذا به يحمل وزر كلمةٍ قطعت رحمًا، أو شوّهت سمعةً، أو أشعلت فتنةً، أو أسقطت إنسانًا في أعين من لا يعرفونه.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع». رواه مسلم.
فليت شعري: ماذا يقول أولئك الذين لا يكتفون بنقل ما يسمعون، بل يصنعون ما لم يكن، ويركبون الصور على الصور، والأصوات على الأصوات، ثم يقدمون للناس الباطل في صورة الحقيقة؟
يا أصحاب القلوب الغُلف!
إن كان في القلوب بقيةٌ من خشية الله، فعودوا إلى القرآن.
قال سبحانه:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[الحشر: 21].
هذا هو القرآن الذي حمله الشيخ الزين في صدره.
وهذا هو القرآن الذي ترتجف له القلوب المؤمنة.
وهذا هو القرآن الذي إذا استقر في قلب شابٍ غيّر وجهته، وهذّب لسانه، وأصلح سلوكه، وربطه بربه.
فكيف يظن من يحاولون اغتيال رموز القرآن أن فبركة مقطعٍ تستطيع أن تقتلع ما غرسه القرآن في القلوب؟
هيهات!
إنهم يحاربون أثرًا لا يعرفون عمقه.
يا شيخ الزين… اصبر
ولك يا شيخ الزين نقول:
اصبر.
فإن كان قد أصابك إفكٌ وافتراء، فقد سبقتك إلى البلاء أعظمُ امرأةٍ طاهرةٍ عرفها التاريخ بعد أمهات المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
لقد ابتُليت بحادثة الإفك، وتناقل الناس القول، وثقل البلاء على بيت النبوة، حتى أنزل الله براءتها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
قال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[النور: 11].
ثم قال جل شأنه:
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾
[النور: 12].
فما أعظم هذا الدرس!
حين يسمع المؤمن شيئًا عن أخيه، لا يبدأ بالتصديق، وإنما يبدأ بحسن الظن.
وحين يسمع فريةً، لا يكون ساعي بريدٍ لها.
وحين يرى مقطعًا مشبوهًا، لا يحوله إلى حقيقة بمجرد إعادة نشره.
ولئن افتروا… فإن الله يدافع
يا شيخ الزين، إن كان أهل الإفك قد أعدّوا ما استطاعوا من القول، فإن الله سبحانه يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
[الحج: 38].
فاطمئن إلى وعد الله، ولا تجعل قلبك رهينةً لما يصنعه أهل الضجيج.
واعلم أن الإنسان قد يُبتلى في سمعته كما يُبتلى في ماله ونفسه، وأن البلاء ليس دائمًا علامة هوان، بل قد يكون بابًا من أبواب الرفعة إذا صبر صاحبه واحتسب.
قال تعالى:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾
[النحل: 127-128].
فما أكرمها من خاتمة:
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
وإلى أهل السودان كلمة
السودانيون شعبٌ تربّى في ظلال القرآن، وفي الخلاوي والمساجد، وعلى موائد الذكر، وفي مجالس العلماء.
ولهذا فإن أخلاق السودان الأصيلة ليست أخلاق التشهير، ولا أخلاق الفحش، ولا أخلاق الظلم، وإنما هي أخلاق القرآن والسنة: سترٌ، ومروءة، وتثبت، وحسن ظن، ونصرةٌ للمظلوم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، متفق عليه.
فليكن هذا الحديث ميزاننا في زمنٍ أصبح فيه الصمت أحيانًا عبادةً، لأن الكلام إذا لم يكن خيرًا فقد يكون شرًا.
لا تعيدوا نشر الفبركات.
لا تمنحوا الكذب عمرًا جديدًا.
لا تجعلوا من حساباتكم منصاتٍ لاغتيال الناس.
ولا تساعدوا صانع الإشاعة على بلوغ غايته.
فالإشاعة لا تعيش بقوة صاحبها وحده؛ إنها تعيش بأقدام الذين يحملونها من مكانٍ إلى مكان.
لقد انتهى زمن صناعة الحقيقة بالكذب
لقد ولى عهدٌ كان فيه بعض الناس يظنون أن بإمكانهم صناعة الحقيقة بالصراخ، وتزييف الوعي بالفبركة، وإرهاب الناس بالشائعة.
الشعب السوداني اليوم أكثر وعيًا.
والعالم يرى.
والتقنية التي يستخدمها البعض لصناعة الكذب هي نفسها التي يستطيع بها الناس كشف الكذب وفضحه.
ومن ظن أن بإمكانه العودة إلى المشهد السوداني عبر بوابة الفتنة، أو إعادة إنتاج نفسه عبر الشائعات، أو النيل من الرموز الدينية والاجتماعية ليصنع لنفسه مكانًا، فقد أخطأ قراءة السودان وأخطأ قراءة شعبه.
فالسودان الذي دفع من دم أبنائه الكثير، وأرهقته الحروب والفتن، لا يحتاج إلى مزيدٍ من الكذب.
يحتاج إلى الصدق.
يحتاج إلى الحكمة.
يحتاج إلى القرآن.
يحتاج إلى رجالٍ يجمعون ولا يفرقون، ويبنون ولا يهدمون.
رسالة إلى من يفبركون
أما أنتم الذين تصنعون المقاطع المفبركة، وتختلقون الروايات، وتبنون الأكاذيب على الذكاء الاصطناعي أو غيره، فنقول لكم:
إن التقنية تستطيع أن تغيّر الصورة، لكنها لا تستطيع أن تغيّر الحقيقة.
قد تستطيعون أن تجعلوا صوتًا يبدو صوت رجلٍ لم يقل ما نسبتموه إليه.
وقد تستطيعون تركيب صورةٍ لم تقع.
وقد تستطيعون أن تخدعوا بعض الناس ساعةً أو يومًا.
لكنكم لا تستطيعون أن تخدعوا الله.
قال تعالى:
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
[غافر: 19].
فاتقوا الله في أنفسكم.
واتقوا الله في أعراض الناس.
واتقوا الله في وطنٍ أنهكته الجراح.
فما أسهل أن تهدموا، وما أصعب أن تبنوا.
وما أسرع أن تزرعوا الكراهية، وما أطول الطريق إلى المصالحة.
هيهات أن تقتلوا شيخ الزين
يا سَقَطَ المتاع، إن كنتم تظنون أنكم بفريةٍ تستطيعون أن تقتلوا أثر القرآن، فقد أخطأتم الطريق.
هيهات أن تقتلوا شيخ الزين.
فإن أسكتم صوتًا، فلن تسكتوا القرآن.
وإن شوّهتم صورةً، فلن تشوّهوا كتاب الله.
وإن نشرتم ألف إشاعة، فلن تمحوا أثر أعوامٍ من التلاوة والتعليم والمحبة.
إن الشيخ الزين ليس مجرد صوتٍ جميل؛ إنه في وجدان محبيه صورةٌ للشاب الذي اختار القرآن طريقًا.
وهذه الصورة لا تُقتل بفيديو مفبرك.
إنما تُقتل القدوة حين يصمت أهل الحق، وحين يتحول أهل الخير إلى متفرجين.
ولهذا نقولها بوضوح:
سنختلف، ونناقش، وننصح، وننقد؛ لكننا لن نقبل أن تتحول الكذبة إلى حقيقة، ولا الفبركة إلى وثيقة، ولا الظن إلى إدانة.
فالقرآن علّمنا التثبت.
والنبي صلى الله عليه وسلم علّمنا مسؤولية الكلمة.
والسيرة علمتنا أن أهل الحق قد يُبتلون بالإفك، ولكن الله لا يضيع الحق.
كلمة أخيرة
يا شيخ الزين…
واصل طريقك.
دع القرآن يتكلم عنك.
ودع الأيام تكشف ما أخفاه أصحاب الأهواء.
واجعل ردك عليهم مزيدًا من القرآن، ومزيدًا من الخلق، ومزيدًا من التواضع، ومزيدًا من العمل.
فما أجمل أن ينتصر الإنسان دون أن يتلوث بما حاربه.
وما أجمل أن يهزم الشائعة بالصمت حين يكون الصمت حكمة، وبالحقيقة حين تكون الحقيقة واجبة، وبالأخلاق حين يكون الخلق أبلغ من كل جواب.
أما نحن، فنقول لأبناء السودان:
لا تكونوا مطايا للشائعة.
كونوا أبناء القرآن.
كونوا أهل التثبت.
كونوا كما أرادكم الله:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[آل عمران: 110].
ولنحفظ لبلادنا ما بقي لها من قيم.
فالبلاد لا تنهض بكثرة الشعارات، وإنما تنهض حين يصبح الصدق خلقًا، والعدل سلوكًا، والرحمة منهجًا، والقرآن حياة.
اللهم احفظ أهل القرآن، واحفظ شباب السودان، واحفظ رموزه العلمية والدينية والاجتماعية من كيد الكائدين، وألّف بين قلوب أهل السودان، واكشف الباطل، وأظهر الحق، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا، واجمع كلمته على الخير والهدى والسلام.
وإن أرادوا اغتيال شيخ الزين بالشائعة، فليعلموا أن الذي يحرس المعنى أقوى من الذي يصنع الكذبة، وأن الذي يستمد نوره من القرآن لا تطفئه عاصفة من الإفك.
هيهات… ثم هيهات!



