داخل خارطة طريق السودان أولا… لماذا تبدأ خارطة طريق السودان أولاً من المجتمع؟ وهل يمكن لمائة مواطن فقط أن يصبحوا نقطة البداية في مشروع بناء دولة؟

تقرير صحفي استقصائي خاص (2)
إذا كان التقرير الأول قد تناول الفكرة العامة التي تقوم عليها خارطة طريق السودان أولاً، فإن أول سؤال يطرحه كثير من القراء بعد الاطلاع عليها هو:
لماذا لا تبدأ الخطة بتشكيل حكومة أو البرلمان أو توافق بين الأحزاب، وإنما تبدأ من المجتمع؟
قد تبدو الفكرة غير مألوفة في البداية، لكن عند قراءة الرؤية الاستراتيجية يتضح أن المشروع ينطلق من فرضية مختلفة، مفادها أن قوة الدولة لا تبدأ من مؤسساتها المركزية، بل من المجتمع الذي تستند إليه تلك المؤسسات.
ولهذا جعلت خارطة الطريق أول بنودها إنشاء وحدة مجتمعية صغيرة أطلقت عليها اسم “الركيزة”، لتكون نقطة الانطلاق في رحلة بناء الدولة.
■ لماذا يبدأ البناء من المجتمع؟
تنطلق الرؤية من أن الدولة، مهما امتلكت من مؤسسات وقوانين، لا تستطيع أن تحقق الاستقرار إذا كان المجتمع نفسه مفككًا، أو يفتقد إلى التنظيم والتعاون والثقة المتبادلة.
وترى الدراسات أن كثيرًا من الأزمات التي عاشها السودان لم تكن ناتجة عن ضعف الدولة وحدها، بل أيضًا عن غياب البنية المجتمعية القادرة على مساعدة الدولة، ومراقبتها، وإسنادها في أوقات الأزمات.
ومن هنا جاءت الفكرة الأساسية:
إذا أردت بناء دولة قوية…
فابدأ أولًا ببناء مجتمع قوي.
■ لماذا اختيرت “الركيزة”؟
تقترح خارطة الطريق أن تكون أول وحدة تنظيمية هي “الركيزة”، وتضم نحو نحو مائة شخص من الأسر المتجاورة داخل حي واحد.
ولا يرتبط هذا الرقم بجانب إداري فحسب، بل يقوم على فلسفة اجتماعية ترى أن هذا الحجم يضمن أن الجميع يعرف بعضهم بعضًا معرفة حقيقية، وأن تتكون بينهم الثقة، وأن تصبح احتياجاتهم ومشكلاتهم معروفة قبل أن تتحول إلى أزمات.
فعندما يعرف المجتمع المحلي أفراده، يصبح من السهل التعرف على الأسر المحتاجة، والمرضى، وكبار السن، وأصحاب الكفاءات، والباحثين عن العمل، والطلاب، وأصحاب المبادرات، مما يجعل التخطيط والخدمات أكثر دقة وفاعلية.
■ الركيزة… ليست جهازًا سياسيًا
قد يظن البعض أن الركيزة مجرد مسمى جديد لهياكل عرفها السودانيون من قبل، إلا أن الرؤية تطرحها بوظيفة مختلفة.
فالركيزة ليست حزبًا سياسيًا، ولا جهازًا أمنيًا، ولا لجنة تنفيذية، وإنما وحدة للتنظيم المجتمعي، تهدف إلى تعزيز التعارف والتكافل، وتنمية روح المسؤولية، واكتشاف الكفاءات، والمشاركة في التنمية المحلية، وربط المواطن بصورة أكثر فاعلية بمجتمعه.
وتعتبر الخارطة أن المجتمع المنظم يمثل أول عناصر بناء الدولة الحديثة.
■ من الركيزة إلى الدولة
لا تتوقف الفكرة عند هذا المستوى، بل تتدرج في بناء هيكل مجتمعي متكامل.
فعشر ركائز متجاورة تكوّن “الألفية”، وعشر ألفيات تكوّن “العشرية”، ثم تتدرج المستويات إلى المحلية، فالولاية، ثم المستوى القومي.
وترى الرؤية أن هذا البناء المتدرج يضمن أن تكون المستويات الأعلى مستندة إلى قاعدة مجتمعية حقيقية، بدلاً من أن تنشأ بمعزل عن المجتمع.
ولهذا تصف خارطة الطريق هذا الهيكل بأنه هرم يبدأ من المجتمع وينتهي بالدولة، لا العكس.
■ المجتمع… مصنع القيادات
من الأفكار التي تتكرر في الرؤية أن المجتمع لا ينبغي أن يكون مجرد متلقٍ للقرارات، بل يجب أن يصبح البيئة الطبيعية لاكتشاف القيادات.
فالعمل المجتمعي، وتحمل المسؤولية، وخدمة الناس، تكشف بصورة عملية الأشخاص الأكثر كفاءة وقدرة على القيادة.
ومن خلال هذا المسار يصبح تصعيد القيادات نتيجة طبيعية للأداء والخدمة، لا نتيجة الشهرة أو النفوذ أو الولاءات الضيقة.
وترى الدراسات أن هذا الأسلوب يمنح المجتمع فرصة للتعرف إلى قياداته عبر التجربة المباشرة، قبل انتقالها إلى مستويات أعلى من المسؤولية.
■ فلسفة مختلفة في بناء الدولة
لا تهدف خارطة الطريق إلى إنشاء هياكل إضافية بقدر ما تهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.
فبدلاً من انتظار الحلول من أعلى، يصبح المواطن جزءًا من صناعة الحلول، وتصبح الدولة أكثر قدرة على التخطيط عندما تستند إلى مجتمع منظم يعرف احتياجاته وإمكاناته.
وتعتبر الرؤية أن المجتمع المنظم ليس بديلًا عن الدولة، بل أحد أهم عوامل نجاحها واستقرارها.
■ هل يمكن أن تبدأ نهضة وطن من مائة مواطن؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه يمثل جوهر الفلسفة التي تقوم عليها خارطة الطريق.
فالرؤية لا تدّعي أن مائة شخص سيغيرون السودان وحدهم، لكنها ترى أن كل مشروع وطني كبير يبدأ بوحدة صغيرة منظمة، ثم يتوسع بصورة متدرجة حتى يشمل المجتمع بأكمله.
وبهذا يصبح المجتمع، وفق هذا التصور، ليس متلقيًا للتغيير، وإنما نقطة البداية فيه.
■ خلاصة التقرير
إذا كانت معظم المبادرات تبدأ من مؤسسات الدولة، فإن خارطة طريق السودان أولاً تبدأ من الإنسان، ثم الأسرة، ثم المجتمع، ثم الدولة.
إنها فلسفة ترى أن إصلاح الدولة يبدأ بإصلاح البنية المجتمعية التي تقوم عليها، وأن المجتمع المنظم هو الضامن الحقيقي لاستمرار أي إصلاح سياسي أو اقتصادي.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام القارئ:
هل يمكن أن يكون بناء المجتمع هو الحلقة التي غابت طويلًا عن مشاريع إصلاح الدولة في السودان؟
ــــــــــــــــــــ
في التقرير القادم…
داخل خارطة طريق السودان أولاً
التقرير الصحفي الاستقصائي رقم (3)
“هل يولد القادة أم يُصنعون؟
كيف تقترح خارطة طريق السودان أولاً بناء القيادات من المجتمع قبل الوصول إلى مؤسسات الدولة؟”



