مقالات الظهيرة

د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… التوثيق… ذاكرة الأمة ( 1)

ليست الأمم بما تملك من حاضرٍ فقط، وإنما بما تحفظه من ماضٍ، وما تستطيع أن تنقله من تجاربها إلى أجيالها القادمة. ومن هنا يصبح التوثيق أكثر من مجرد تسجيل للأحداث؛ إنه ذاكرة الأمة وضميرها الحي.

فكل حدث لم يُوثَّق، وكل تجربة لم تُسجَّل، وكل شهادة لم تجد طريقها إلى الورق أو الصورة أو الصوت، مهددة بأن تصبح جزءًا من النسيان. والنسيان، في حياة الشعوب، ليس أمرًا عابرًا؛ فقد يعني ضياع الدروس، وتكرار الأخطاء، وانقطاع الصلة بين الأجيال.

إن التوثيق يحفظ تفاصيل الحياة التي قد تبدو في لحظتها عادية، لكنها تتحول مع مرور الزمن إلى وثائق تاريخية ذات قيمة كبيرة. صورة قديمة، محضر اجتماع، خطاب، تسجيل صوتي، شهادة أحد المشاركين في حدث ما، أو حتى خبر صحفي صغير؛ كلها قد تصبح غدًا مصادر لا غنى عنها لفهم مرحلة كاملة من تاريخ المجتمع.

وفي عصر الإعلام الرقمي، لم تعد مسؤولية التوثيق محصورة في المؤسسات الرسمية أو مراكز الأبحاث. فقد أصبح الهاتف المحمول كاميرا مفتوحة، وأصبح المواطن شاهدًا وموثقًا وصانعًا للمعلومة في الوقت نفسه. لكن هذا التطور يفرض مسؤولية أكبر: فليس كل ما يُنشر توثيقًا، وليس كل صورة حقيقة، وليس كل رواية تاريخًا.

التوثيق الحقيقي يحتاج إلى الدقة، والتحقق، وحفظ المصادر، وتحديد الزمان والمكان والسياق. كما يحتاج إلى أخلاقيات تحترم الإنسان وخصوصيته، وتفرق بين تسجيل الحقيقة وتوظيفها لخدمة موقف أو رواية معينة.

وفي السودان، تزداد أهمية التوثيق في ظل التحولات والأحداث المتسارعة التي شهدها الوطن. فهناك قصص لأشخاص، وتجارب لمؤسسات، ومواقف لمجتمعات، وذاكرة لأماكن ربما تختفي ملامحها أو تتغير مع الزمن. وكل ذلك يحتاج إلى من يحفظه للأجيال المقبلة.

إن الأمة التي لا توثق تاريخها تترك للآخرين مهمة روايته، وقد تكتشف بعد سنوات أن جزءًا من ذاكرتها أصبح ملكًا لروايات لم تكتبها هي.

لذلك، فإن التوثيق ليس ترفًا ثقافيًا، ولا مهمة مؤجلة إلى أن تهدأ الأحداث. إنه عمل يبدأ اليوم، من البيت والمدرسة والجامعة والمؤسسة ووسائل الإعلام، ويشارك فيه المؤرخ والصحفي والأكاديمي والمصور والمواطن.

وثّقوا اليوم… لأن ذاكرة الغد تُكتب الآن.

فالتاريخ لا يحفظه الزمن وحده إنما يحفظه الإنسان حين يدرك أن ذاكرة الأمة أمانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى