خالد حمزة زين العابدين يكتب… طلقة النبأ وفاجعة الفقد.. وداعاً د. التجاني عبد القادر!!

ما مثل أخبار ارتحال أهل المودة من أنباءٍ تود أنك لا تسمعها قط، ولا تُنقل إليك البتة، غير أننا في زمانٍ ينداح فيه الحزن كخرير السقف على غافلٍ من علٍ، فلا نملك أمام القدر إلا التسليم وحسن العزاء.
رحل الدكتور التجاني عبد القادر حامد. رحل العَلَمُ الذي ما طلب يومًا أن يُشار إليه بالبنان، والعالمُ الذي اتسع عقله لأعقد أطروحات الفكر والسياسة والاجتماع، بينما ظل قلبه يتسع للناس بحديثه الأليف وبساطته الخالصة التي لا تَكَلُّف فيها ولا ادعاء.
تتداعى السطور وتشرق صفحات التاريخ الشاهدة على تلك الحقبة الاستثنائية من أروقة جامعة الخرطوم، يوم كان معتركُ الفكر والسياسة يموج بأعتى الصراعات، فهنالك سَجَّل التاريخ اسمه بحروفٍ من نور، شاباً يمتلئ وعياً ورصانة، تَقَدَّم الصفوف رئيساً لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم، حاملاً لرسالةٍ وأمانة، وأدار مع رفاقه الأخيار حِراكاً فريداً، وحولوا تلك القلعة الأكاديمية إلى منارةٍ للوعي الوطني والدعوي، يجمعون بين النقاء الأخلاقي والصلابة الفكرية والتجرد للقيم. كان أداؤه القيادي يومذاك -كما تروي أدبيات تلك المرحلة ويشهد معاصروه- مثالاً للقيادة الواعية التي تجمع ولا تفرق، تحاور بالمنطق، وترسي دعائم الفكر المتين الذي ينفذ إلى القلوب ويستوجب احترام الخصوم قبل الأصدقاء.
ثم مضت عقودٌ وتوالت المحطات، وعاش هذا المفكر الكبير زاهداً في بهرج السلطة ومتعلقات الألقاب. كان يُقبل على الفكر إقبال المتبتل في محراب الحقيقة، ويفضل اعتزال بريق المناصب السياسية والإدارية بِرَفْضِ العارف بوزن الروح ورسالة العقل، فلم تستهوه القيادة التنفيذية ولا أضواء الأمانات العامة، بل آثر أن يخدم الأمة في مظانِّ التأصيل والفكر والوعي، مُقَدِّماً عمق الرؤية على سطوة الموقع، ورصانة المنهج على عابر المظاهر.
تأملتُ كيف تهيأتْ له الأسباب ليكون في صدارة المشهد السياسي في غير موضع، وكيف اعتذر بعزةِ العالم وشفافية الزاهد، لأن مكانه الذي ارتضاه لنفسه هو حيث ينبت الفكر وتتأصل المفاهيم. وكم هي ثقيلةٌ غصةُ الخسارة، يومَ غادر أرض الوطن لتطوف به المَهاجر بين ماليزيا وأمريكا ودبي والدوحة، ينشر علمه ويثري الميادين الأكاديمية ومؤسسات الفكر، ولا يزداد مع الغربة والزمن إلا تواضعاً ورسوخاً ومودة، يبني حيثما حلَّ أواصر الوعي ويكسب احترام كل من يحيطون به.
ولعلي أذكر، بامتنانٍ يُخالط الحزن، كيف كنتُ أطالع ما يكتبه بشغفِ المترقب وأنا في مقتبل الشغف بقراءة مظانِّ الفكر، أستشف من بين سطوره عذوبة اللفظ وعمق الفكرة وسعة الأفق، حتى حباني الله بلقائه في منزل الأخ د. مصطفى عثمان إسماعيل ههنا في دولة قطر. هناك، لم يكن اللقاء مجرد وقوفٍ على قامةٍ فكرية سامقة كنتُ أقرأ لها عن بُعد، بل كان نفاذاً إلى روحٍ تألفُ وتُؤلف، تُشعُّ بالسكينة، وتمنحك حين تُجالسها ذلك الدفء الذي لا يتركه في النفس إلا الأوفياء الكبار. الحديث معه، وجداله الحُر الطليق، وتأملاته الرحبة، كانت أفقاً يُعيد للروح توازنها في زمن التسطيح والتعجل.
ثم جاءت الفاجعة هكذا.. بغتةً في الدوحة، وكأن الأجل أبت إلا أن تطوى صفحته الأخيرة بعيداً عن ثرى النيل الذي حمله في وجدانه أينما حل. غاب التجاني جسداً، ولكن أثره غائرٌ في عقل الحركة الفكرية والسياسية، وفي نفوس كل الذين عرفوه أو نهلوا من معينه، وسيظل ذكره حياً في كتاب الأوفياء ومسيرة المفكرين الصادقين.
رحم الله الدكتور التجاني عبد القادر، وطبّب بلقائه أرواحاً أضناها الفقد، وجعل مثواه في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.



