حين تصبح التأشيرة امتحاناً للأمم المتحدة… السودان لا يُستأذن في كرامته

رؤية وطنية
نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
ما كتبه الدكتور فتح الرحمن النحاس في مقاله عن عدم إصدار الولايات المتحدة الأمريكية تأشيرة دخول للفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ليس خبراً عابراً يمر على هامش الأحداث؛ وإنما هو مشهد يستحق أن تتوقف أمامه الضمائر، وأن يُقرأ في ضوء السؤال الأكبر: هل يبقى مقر الأمم المتحدة فضاءً دولياً تتساوى عنده الدول في حقها في الحضور، أم تصبح أبواب المنظمة الدولية خاضعة لإرادة الدولة المضيفة؟
فالولايات المتحدة ليست هي الأمم المتحدة، وإن كانت دولة المقر. ومقر المنظمة الدولية في نيويورك لا يفقد صفته الدولية لأن أرضه تقع داخل الولايات المتحدة.
وتنص اتفاقية مقر الأمم المتحدة على التزامات تجاه ممثلي الدول الأعضاء، وقد أكدت وثائق قانونية أممية أن الاتفاقية تتضمن حقاً غير مقيّد للأشخاص المشمولين بأحكامها في الدخول إلى الولايات المتحدة بغرض التوجه إلى مقر المنظمة لأداء مهامهم الأممية. كما ظلت قضية إصدار التأشيرات لممثلي الدول موضع نقاش داخل لجنة العلاقات مع الدولة المضيفة بالأمم المتحدة.
ولهذا فإن المسألة السودانية الراهنة لا ينبغي أن تُختزل في تأشيرة لشخص، وإنما في مبدأ دولي أوسع يتعلق بحق الدول الأعضاء في الوصول إلى منبر المنظمة الدولية.
وقد ازدادت القضية أهمية لأن الأمم المتحدة نفسها لم تقف متفرجة؛ فقد نقلت التقارير الصادرة اليوم أن الأمين العام أنطونيو غوتيريش عبّر عن قلقه إزاء عدم صدور تأشيرة الفريق أول البرهان، ودعا إلى إصدارها في الوقت المناسب لمشاركته في أعمال الجمعية العامة.
أما ما أوردته رويترز نقلاً عن مصادر من أن التأخير يرتبط بموقف السودان من مقترح هدنة أمريكي لمدة تسعين يوماً، فهو رواية منسوبة إلى مصادر وليست، حتى الآن، إعلاناً أمريكياً رسمياً يحدد سبب عدم إصدار التأشيرة.
وهنا نقول للفريق أول عبدالفتاح البرهان:
لا تجعل التأشيرة أكبر من الوطن، ولا تجعل باباً مغلقاً في نيويورك أوسع من أبواب السودان المفتوحة على شعبه وتاريخه وكرامته.
اذهب إلى الجمعية العامة إن فُتح الباب، وتحدث باسم السودان إن أُتيح لك المنبر، وإن تأخر الإذن أو تعثر، فإن السودان لا يسقط من الخريطة لأن موظفاً أو حكومةً أو إدارةً أغلقت باباً.
لقد مر السودان في هذه الحرب بما هو أعظم من التأشيرات.
مر شعبه بالنزوح، وفقد البيوت، وتقطعت به السبل، وذاق مرارة الحرب وشظف العيش، ومع ذلك بقيت في وجدان هذا الشعب كلمة تختصر كثيراً من الحكاية:
جيش واحد… شعب واحد.
وليس المقصود بهذه العبارة إلغاء اختلاف السودانيين في الرأي، فالسودان أوسع من أن يسعه صوت واحد، وأكرم من أن يُختزل في جماعة أو حزب أو تيار. ولكن المقصود أن الوطن، حين تشتد عليه المحن، يبحث أبناؤه عن ما يجمعهم لا عما يفرقهم.
ومن هنا فإن التفاف قطاعات واسعة من السودانيين حول القوات المسلحة، في ظل الحرب، ظاهرة سياسية واجتماعية ينبغي قراءتها في سياقها، كما ينبغي احترام حق السودانيين الآخرين في التعبير عن مواقفهم المختلفة.
أما الذين اختاروا الاستقواء بالخارج، أو جعلوا من العواصم الأجنبية ساحةً لمعركة السودان الداخلية، فإن التاريخ وحده سيحكم على الخيارات والنتائج.
وقد ظهرت خلال الحرب مواقف لقوى سياسية سودانية، من بينها تحالفات مرتبطة بتنسيقية «تقدم» ثم «صمود»، انتقدت قيادة الجيش وطالبت بمسارات سياسية مختلفة. وهذه مواقف سياسية معلنة، لا ينبغي تحويل الخلاف معها إلى تخوين جماعي أو إسقاط حق أصحابها في التعبير؛ لكن من حق الشعب السوداني أيضاً أن يسأل كل القوى السياسية سؤالاً واضحاً:
هل يكون الطريق إلى إنقاذ السودان عبر الداخل السوداني، أم عبر انتظار الخارج ليصنع للسودانيين مستقبلهم؟
ذلك هو السؤال الذي سيبقى.
فالوطن لا يُبنى بالاستقواء بالأجنبي، كما لا يُبنى بإقصاء المختلف، وإنما يُبنى حين يصبح القرار السوداني سودانياً، وحين يكون الحوار وسيلةً لحفظ الدولة لا باباً لتفكيكها.
يا سيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان،
إن كانت أمريكا قد أمسكت بالتأشيرة، فإن السودان يمسك بشيء أثمن:
إرادة شعب.
والشعوب لا تُقاس بحجم جواز السفر ولا بعدد الأختام على التأشيرات، وإنما بقدرتها على الصمود حين تضيق عليها الأرض، وبقدرتها على حفظ كرامتها حين تتعدد عليها الضغوط.
فلا تذهب إلى نيويورك مثقلاً بهمّ التأشيرة.
اذهب ـ إن ذهبت ـ حاملاً قضية السودان.
وتحدث ـ إن تحدثت ـ بلسان الدولة السودانية.
واجعل من منبر الأمم المتحدة مناسبة لتذكير العالم بأن السودان ليس رقعة شطرنج، وأن شعبه ليس مادةً للتجارب السياسية، وأن الحرب التي أرهقت البلاد لا يجوز أن تصبح ذريعةً لإلغاء إرادة السودانيين أو مصادرة حقهم في تقرير مستقبلهم.
أما التأشيرة، فتبقى تأشيرة.
وأما السودان، فباقٍ.
وأما الشعب، فصاحب الكلمة الأخيرة في وطنه.
وقد صدق النحاس حين جعل القضية أبعد من ورقة سفر؛ لأن الكرامة الوطنية لا تُقاس بما إذا فُتح لك باب دولة أخرى أم أُغلق، وإنما بما تحمله في قلبك حين تقف أمام العالم وتقول:
هذا السودان… وهذه إرادة شعبه.
وسيظل النيل شاهداً، والتاريخ حافظاً، والأيام كفيلة بأن تميز بين من وقف مع وطنه في ساعة العسرة، ومن جعل من عواصم الآخرين قبلةً لشكواه.
اللهم احفظ السودان وأهله، واحفظ جيشه وشعبه، واجمع كلمته على الحق، واكتب له من بعد العسر يسراً، ومن بعد الخوف أمناً، ومن بعد الشتات عودة، ومن بعد المحنة نهضةً تليق بتاريخ هذا الوطن العظيم.
#أمريكا_تبتز_السودان
#USBlackmailsSudan
#أمريكا_تبتز_السودان
#USBlackmailsSudan



