مقالات الظهيرة

المسيرات الإثيوبية التي تقتل وتحطم البنية التحتية وبأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية… إثيوبيا وذاكرة المعروف.. حين يُقابل الوفاء بتصعيد الجوار؟!!

رؤية وطنية… نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

بقلم: أبوعيدة أحمد علي عباس

 

المسيرات الإثيوبية التي تقتل وتحطم البنية التحتية وبأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية؟

 

الجزء الثاني: إثيوبيا وذاكرة المعروف.. حين يُقابل الوفاء بتصعيد الجوار

 

في الجزء الأول وضعنا أمام العالم قضية السيادة السودانية، وما أثير من اتهامات بشأن انطلاق مسيّرات من الأراضي الإثيوبية لاستهداف منشآت سودانية، وما يترتب على ذلك من أخطار إنسانية واقتصادية وأمنية.

 

وفي هذا الجزء ننتقل من لغة الوقائع والأدلة إلى لغة التاريخ والوفاء ومسؤولية الجوار؛ لنخاطب الحكومة الإثيوبية، ونذكرها بأن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى على المصالح العابرة وحدها، وإنما على ذاكرة المواقف، وعلى احترام الحقوق، وعلى إدراك أن أمن الجار امتداد لأمن الوطن.

 

يا إثيوبيا.. هل نسيتم السودان؟

 

هل نسيتم أن هذا البلد كان ملاذاً للأشقاء حين ضاقت بهم سبل الحياة؟ هل نسيتم أن السودانيين استقبلوا أعداداً كبيرة من الإثيوبيين الذين دفعتهم المجاعات والحروب والظروف الطبيعية إلى مغادرة ديارهم؟

 

لقد عرف السودانيون معنى أن يكون الإنسان غريباً عن أرضه، وأن يبحث عن مأوى يقيه الخوف والجوع والعطش، ولذلك لم يترددوا في تقديم ما استطاعوا من عون للأشقاء.

 

لم يسأل السودان يومها عن حسابات السياسة، ولم يجعل من أبوابه المفتوحة وسيلة للابتزاز، بل تصرف بما تمليه عليه أخلاقه وتاريخه وإنسانيته.

 

إننا لا نستدعي هذه المواقف لنمنّ بها على أحد، فالمعروف الذي يُذكر طلباً للمقابل يفقد شيئاً من نبل معناه، وإنما نستحضرها لنسأل: أين ذهبت حكمة الجوار؟ وأين ذهبت المسؤولية التي تفرضها العلاقات التاريخية بين شعبين متجاورين؟

 

إن السودان لا يطلب من إثيوبيا إلا احترام السودان.

 

لا نطالبها بالتدخل في شؤونه الداخلية، ولا نطلب منها أن تتبنى خياراته السياسية، وإنما نطالبها بألا تسمح باستخدام أراضيها في أي اعتداء على أمنه وسيادته، وأن تتعامل بجدية مع الاتهامات التي قدمتها الخرطوم، وأن تتيح مساراً موثوقاً للتحقيق والتثبت.

 

إن الحكومة الإثيوبية مطالبة بأن تدرك أن استقرار السودان ليس أمراً ثانوياً في حسابات المنطقة؛ فالسودان دولة محورية في القرن الإفريقي وحوض النيل، وأي اضطراب في علاقاته مع جيرانه ينعكس على الأمن الإقليمي وحركة التجارة والحدود ومصالح الشعوب.

 

والفشقة شاهد على أن الجغرافيا لا تُدار بالغرور.

 

لقد شهدت منطقة الفشقة توترات ومواجهات حدودية بين السودان وإثيوبيا، وتمسك السودان بحقوقه في أراضيه وسيادته عليها، كما أثبتت تلك الأحداث أن الملفات الحدودية تحتاج إلى الحوار والاتفاقات والاحترام المتبادل، لا إلى المغامرات العسكرية أو فرض الأمر الواقع.

 

ونقول هنا بوضوح: إن السودان لا يسعى إلى استدعاء الماضي لإشعال خلاف جديد، وإنما يستحضره للتذكير بأن القوة لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لفرض الإرادة على الجيران، وأن معالجة النزاعات تحتاج إلى حكمة ومسؤولية.

 

أما عن انشغال السودان بحربه الداخلية، فليس ذلك دعوة لاستباحته.

 

إن الجيش السوداني يخوض معركة فرضها تمرد مليشيا الدعم السريع الإرهابية على الدولة والشعب، ويقف إلى جانبه شعبه الذي دفع أثماناً باهظة من الأرواح والممتلكات والنزوح والدمار.

 

ومن المؤسف أن يجد السودان نفسه مضطراً إلى متابعة ملفات أمنية خارجية في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تركيز جهوده على إنهاء التمرد واستعادة الاستقرار وإعادة بناء مؤسساته.

 

ونحن نؤكد أن الجيش السوداني مؤسسة وطنية تعرف قيمة المسؤولية، وأن الدفاع عن الوطن لا يعني التهور، كما أن ضبط النفس لا يعني التنازل عن الحقوق.

 

وإلى القيادة الإثيوبية نقول: لا تختبروا صبر السودان، ولا تفسروا حرصه على تجنب اتساع الحرب بأنه عجز عن حماية أرضه. إن الحكمة تقتضي وقف التصعيد، والعودة إلى الحوار، واحترام السيادة، وعدم السماح بتحويل الأراضي الإثيوبية إلى مصدر تهديد لجارها.

 

ثم نصل إلى السؤال الأكثر إلحاحاً: بأي ذنبٍ طُردت البعثة الدبلوماسية السودانية؟

 

لقد تناقلت الأنباء في الرابع من نوفمبر 2026 قراراً إثيوبياً بمغادرة ستة من موظفي القنصلية السودانية في أسوسا خلال ثمانٍ وأربعين ساعة.

 

وهذا التطور يثير تساؤلات سياسية ودبلوماسية عميقة، خصوصاً في ظل التوتر القائم بين البلدين.

 

فهل أصبحت الشكوى السودانية لدى المؤسسات الدولية سبباً لمزيد من التصعيد؟ وهل أصبح اللجوء إلى مجلس الأمن ومجلس السلم والأمن الإفريقي عملاً يستوجب إجراءات تضيق بها مساحات التواصل الدبلوماسي؟

 

إن اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963 تنظم عمل البعثات القنصلية وحقوقها وواجباتها، كما تنظم المادة 23 منها مسألة إعلان أحد أعضاء الطاقم القنصلي شخصاً غير مرغوب فيه. ولذلك فإننا ندعو إلى احترام الأطر القانونية والإجراءات الدبلوماسية، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى قطيعة تضر بمصالح الشعبين.

 

إن الدبلوماسية ليست خصماً للسيادة، وإنما إحدى وسائل حمايتها.

 

وإلى الاتحاد الإفريقي نقول: لا تجعلوا الخلافات بين الدول الإفريقية تتفاقم حتى تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها. بادروا بالوساطة، وافتحوا قنوات الحوار، واطلبوا من الطرفين تقديم ما لديهما من أدلة ومعلومات، واجعلوا حماية الاستقرار الإقليمي أولوية.

 

وإلى الأمم المتحدة نقول: إن العلاقات الدولية لا تستقيم بالتصعيد المتبادل، وإنما باحترام المواثيق والاتفاقيات، وتوفير مناخ يسمح للدول بحل خلافاتها بالوسائل السلمية.

 

رسالتنا إلى الشعب الإثيوبي الشقيق:

 

أنتم لستم خصومنا، ولسنا خصومكم. لا نريد أن تتحول الخلافات السياسية إلى كراهية بين شعبين، ولا أن تدفع الأجيال القادمة ثمن قرارات لم تشارك في صنعها.

 

إن بيننا ما هو أكبر من الخلافات العابرة؛ بيننا الجوار والمصالح المشتركة والتاريخ والإنسانية.

 

ولكننا نقول لحكومتكم إن احترام السودان ليس خياراً سياسياً مؤقتاً، وإنما واجب تفرضه قواعد العلاقات الدولية وحقوق الجوار.

 

إن السودان يريد السلام، لكنه يريد سلاماً يحفظ السيادة، ويصون الكرامة، ويمنع الاعتداء، ويضمن ألا تصبح أرضه ومرافقه ومقدرات شعبه أهدافاً مباحة.

 

فيا حكومة إثيوبيا، عودي إلى حكمة الجوار قبل أن تتسع دائرة الخلاف، وأعيدوا للعلاقات بين البلدين ما تستحقه من احترام ومسؤولية.

 

فالأوطان لا تُدار بالغرور، والشعوب لا تنسى المعروف، والتاريخ لا يرحم من يبدد فرص السلام.

 

يتبع في الجزء الثالث: من يدفع فاتورة تدمير السودان؟ ملف التعويضات والخسائر الاقتصادية والإنسانية، وواجب الحكومة السودانية في تحويل الأدلة إلى مطالبات قانونية لا تسقط بالتقادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى