مقالات الظهيرة

ياسرمحمدمحمود البشر يكتب…. حين مات الوطن فى الأناشيد!!

*منذ أن فتحنا أعيننا على الحياة كانت الأناشيد الوطنية تتسلل إلى وجداننا فى المدارس والساحات العامة والإذاعة والتلفزيون تزرع فى دواخلنا صورة السودان الوطن الكبير الذى يسع الجميع وتغرس فينا أن حب الوطن عقيدة لا تتغير كنا نردد بحماس نحن جند الله جند الوطن وأرض الخير وأنا سودانى وجدودنا زمان وصونا على الوطن وغيرها كثير وكثير من الأناشيد الوطنية.

ونصفق بحرارة لكل كلمات تمجد التراب والنيل والإنسان السودانى لكن السؤال المؤلم اليوم أين ذهبت تلك المعانى وكيف تحولت الأناشيد الوطنية من مشروع لبناء الوجدان إلى مجرد شعارات محفوظة لا تسمن ولا تغنى من جوع*

*لقد اكتشف السودانيون بعد سنوات طويلة من الأزمات والحروب والانقسامات أن حب الوطن لا يُقاس بعلو الصوت فى الأناشيد وإنما بمدى العدالة التى يجدها المواطن فى وطنه وبمقدار الأمان الذى يشعر به وهو يعيش على أرضه فما قيمة أن نتغنى بالسودان العظيم بينما الملايين أصبحوا نازحين داخل وطنهم أو لاجئين على حدود الدول المجاورة وما جدوى القصائد التى تتحدث عن وحدة الشعب بينما الواقع يمزقه الانتماء القبلى والسياسى والهوى فنحن شعب يظهر خلاف ما يبطن*

*لقد ضاق السودان على سعته ليس لأن الأرض أصبحت أصغر بل لأن النفوس امتلأت بالكراهية والإقصاء والصراع على السلطة الوطن الذى كانت حدوده تمتد كالحلم تحول إلى مساحة خوف وهروب ومخيمات نزوح والمدن التى كانت تضج بالحياة أصبحت أطلالاً يسكنها الصمت ورائحة البارود حتى الأطفال الذين كانوا يقفون صباحاً لترديد النشيد الوطنى أصبح بعضهم يردد أسماء المعسكرات ومناطق اللجوء بدلاً عن أسماء المدن والأنهار*

*المأساة الحقيقية ليست فقط فى الحرب بل فى سقوط المعنى فقد أصبح المواطن يسمع الأناشيد الوطنية بعين دامعة وقلب مثقل لأنه يرى التناقض الصارخ بين الكلمات والواقع كيف نغنى للوطن بينما المواطن يبحث عن رغيف الخبز وجرعة الدواء ومكان يبيت فيه آمناً وكيف نطالب الناس بحب السودان بينما السودان نفسه لم يعد يمنح أبنائه الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار*

*إن الأناشيد الوطنية ليست خطأ فى حد ذاتها لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول إلى مخدر عاطفى يغطى على الفشل السياسى والاقتصادى والاجتماعى فالوطن لا يُبنى بالأغانى وحدها وإنما يُبنى بالعدل والتعليم، والتنمية واحترام الإنسان وحين يغيب ذلك كله تصبح الكلمات الجميلة مجرد صدى بعيد لا يغير شيئاً فى واقع الناس*

*السودان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الشعارات بل يحتاج إلى مشروع وطنى حقيقى يعيد للإنسان السودانى ثقته فى بلده يحتاج إلى وطن يشعر فيه المواطن أن له قيمة وأن دمه ليس رخيصاً وأن مستقبله ليس معلقاً على مزاج الحرب والسياسة عندها فقط ستعود الأناشيد الوطنية صادقة ومؤثرة، لأن الناس سيغنونها من القلب لا بالشفاه فالأوطان لا تحفظها الأغانى وحدها بل يحفظها العدل والانتماء والإنسان*

yassir.Mohammed@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى