مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… كلُ حاجة و لا الحرام!!

في لحظةٍ خاطفة من “ريلز” العصر الرقمي، برزت صانعة خمرٍ تقليدية، تحملُ في ثنايا وجهها ملامح الصدق القاسي، حين سُئلت ببراءةٍ اقتصادية خلفها نهم الربح: “لماذا لا تزيدين الماء على هذا المشروب القوي؟ سيتضاعف الدخل، ولن يلحظ أحد!”.. هنا، ووسط ضجيج الواقع، أطلقت ضحكةً مجلجلةً هزت أركان الزيف، ثم أجابت بصرامةٍ أخلاقيةٍ مدهشة: “أيُّ حاجة.. ولا الحرام!”.

يا للهول! أيُّ فلسفةٍ عفوية هذه التي نبعت من قلبٍ يسكن في قاع المجتمع لتصفع وجوه النخب المتربعة على عروش التدليس؟

إن هذه الصرخة لم تكن مجرد رد فعل، بل كانت محاكمةً علنيةً لعصر “التدليس المنظم”، زمنٍ بات فيه “إضافة الماء” سلوكاً عاماً ومنهجاً للحياة. فنحن اليوم نرى “تخفيف” المبادئ بالانتهازية، ومزج الحقائق بالأكاذيب لتبدو أكثر قبولاً، وخلط الإنجازات بالوهم لننال تصفيقاً مزيفاً؛ تلك السيدة، برغم طبيعة عملها التي نلفظها، رفضت “الغش” في جوهر ممارستها، بينما يمارس الكثيرون “الغش” تحت ستار المهن المقدسة والمنابر العالية.

إننا نعيش في قضايا مجتمعية تئن من “تطفيف المكيال” في المشاعر، وفي أداء الواجب، وفي صدق الكلمة؛ نرى من “يضيف الماء” إلى التعليم فيخرج أجيالاً باهتة لا تقرأ ولا تفهم، ومن “يضيف الماء” إلى السياسة فيصنع وعوداً سرعان ما تتبخر، ومن “يخفف” الالتزام بالقيم الإنسانية لتناسب مصالحه الضيقة. لقد باتت المادية الجوفاء هي المحرك، وصار التكسب السريع هو الغاية، حتى ضاعت القوة والمتانة في نسيجنا الاجتماعي، وأصبحنا نركض خلف “كمية” الربح بينما نُهدر “جودة” الروح.

إن رؤية “سوا سوا” تضعنا أمام مرآةٍ كاشفة: هل الحرام هو فقط ما سُطر في الكتب؟ أم أن الحرام الأكبر هو بيع الضمير في سوق المزايدات؟ إن العبرة التي تستوطن تلك الضحكة الساخرة هي ضرورة العودة إلى “الأصل الصافي”؛ فالقضايا الإنسانية لا تُحل بتمييع المواقف لتناسب أهواء الزمان، بل بتمسكنا بصلابة المبدأ مهما كانت الإغراءات. إن الريادة الحقيقية التي ننشدها، والصدارة التي نلهث خلفها، لن تأتي إلا بفك الارتباط مع كل “ماءٍ” غريب يلوث صفاء هويتنا وصدق تعاملنا. فهل نملك الشجاعة اليوم لنقف في وجه إغراءات “زيادة الدخل” المعنوي والمادي، ونقول بملء الفيه: “أي شيء.. إلا الحرام في حق الإنسان، وفي حق الوطن، وفي حق الكلمة التي لا تقبل التجزئة”؟ إنها دعوة لنسترد عافيتنا الأخلاقية من مخالب الزيف، لنعود كما كنا.. أقوياء بصدقنا، لا كثرةً غثاءً كغثاء السيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى