مبارك الكودة يكتب… إنَّ الوطنَ لواقع
فرضت الحرب التي اندلعت في السودان واقعاً جديداً ينبغي أن يتعامل معه المواطن السياسي المحترف بفقهٍ جديد.
وبالطبع التعبير عن الأنتماء للوطن ليس نظريةً فكريةً مجردة من تعقيدات الواقع ( إنَّ الدين لواقع ) ولكل واقع تعقيداته ومتطلباته.
فالذي يقاتل من أجل كرامته ويتحمل مسئوليته كاملةً بعد أن أستبيحت أم القري ( الخرطوم ) الهادئة الوداعة لا يستوي مع الذي آثر السلامة وهاجر من أجل واقع آخر له ولإسرته.
وبهذا التمايز أصبح لكل واحدٍ واقعه الخاص الذي ينطلق تفكيره منه ، ولذلك ينبغي ألّا يفكر المهاجر السياسي للمقاتل السياسي.
فالذي يجابه الحرب بالقتال له تقديراته السياسية الخاصه ، والذي بدل واقعه المعقد وهاجر له ايضاً تقديراته السياسة الخاصة والتي بلا شك يؤثر فيها وضعه المستقر ويعبر عنها بفكر وبمصطلحات أكاديمية مطلقة لا تحدها حدود وفارغة لا علاقة لها بالحرب.
فالحرية التي يريدها المقاتل الذي تعتقله قوات الجنجويد هي خروجه من المعتقل إلى أي حالٍ أقل سوءاً وخطورة ، والحرية عند من آثر سلامته وسلامة أسرته وهاجر من الخرطوم عبارة عن تهويمات فكرية وتقريرات نظرية منمقة .
كما تعني حرية التعبير عند المعتقل لدي الجنجويد السماح له فقط بأن يقول : ( انا لست إسلامياً ولا انتمي للجيش ) أما عند السياسي المهاجر فحرية التعبير عنده عبارة عن استعراض أكاديمي .
كما لا يمكن أن نحدث من أُختطفت أبنته عن مشروع هيكلة القوات المسلحة ، أو دور الفلول والكيزان في صناعة هذه الحرب.
وبالطبع لا يستوي الذين رفضوا هذا الواقع الجديد وعبروا عن رفضهم بالقتال وبين الساسة الذين عبروا عن رفضهم بالهجرة.
ولكي لا يتهمني احدٌ بأني استهدف فئة سياسية دون أخري بهذا المقال أرجو أن أوكد أنني استهدف في المقام الأول شخصي كسياسي هاجر وأسرته إلى مصر خوفاً من الواقع .
ثم استهدفُ من بعد ذلك وبصورة أساسية كل الساسة الذين خرجوا من السودان بعد الحرب ، وفي تقديري أن قرار الخروج من الوطن في هذه الظروف و مهما كانت الدواعي والمبررات يجعل من السياسي المهاجر مواطناً غير مؤهل لأن يكون مشاركاً في القرار السياسي ناهيك من أن يدعي القوامة والوصايا علي من هم في خضم هذه الحرب.
ولذلك يجب علينا أن نحترم ما يُقِرّه سياسيو الداخل لأنهم أولى منّا بإتخاذ القرار الذي يفرضه الواقع فلا يكلف الله نفساً الا وسعها ،فإن كان في وسعهم القتال فليقاتلوا الذين يقاتلونهم.
وإن كانوا يرون أنه ليس هنالك بديلاً للحوار فليحاوروا من أراد حوارهم ، وإن كانوا يرون أن مصلحتهم في وقف الحرب لأسبابٍ قدروها فلتقف الحرب بأي شروط كانت فيها المصلحة العامة.
وأينما كانت المصلحة فثم شرع الله ويجب علينا فقط أن نلتزم قرارهم ، ولا أعتقد أن من أتخذ قراره وحمل سلاحه ليدافع به عن أرضه وعرضه ونفسه جندياً ملتزماً كان أو مواطناً متطوعاً يقبل أن تَفْرِض عليه مجموعة سياسية لا تكاد تتجاوز أصابع اليدين وصاياها بحججٍ أوهن وأضعف من بيت العنكبوت.
فهلا صَمَتَّ أخي ( ٠٠٠٠ ) فإن حديثك يستفزنا ، وينبغي علينا وعليكم أن نعي دورنا جيداً و اللهم عليك بمن أراد بنا سوءاً.



