د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… السادية في إدارة شؤون الرعية!!

لا أدري من أين تتفتق هذه القرارات التي لا تزيد المواطن إلا شقاءً ومعاناة، وكأن قدره أن يظل يدفع فاتورة أخطاء الحكومات المتعاقبة، دون أن يجد من يخفف عنه أو يراعي ظروفه.
مواطن لم يختر هذه الحرب، ولم يكن طرفاً في إشعالها، لكنه دفع ثمنها كاملاً؛ فقد بيته ومصدر رزقه وأمنه واستقراره، وتحمل من المعاناة ما تنوء به الجبال.
ثم ماذا بعد كل ذلك؟
تأتي أزمة الوقود، وتمتد صفوف السيارات إلى كيلومترات، وتظهر التجاوزات والممارسات غير المشروعة، ويجد تجار الأزمات في معاناة الناس فرصة للثراء عبر السوق السوداء.
وبدلاً من معالجة جذور الأزمة ومحاسبة المتلاعبين وضبط عمليات التوزيع، يصدر صاحب القرار توجيهاً بألا يُصرف الجازولين إلا للبص الممتلئ بالركاب، وأن يكون واقفاً في الصف!
أي منطق هذا؟ وأي عقل إداري يبتكر مثل هذه المعايير؟
وماذا عن الركاب الذين ينتظرون لساعات؟ وماذا عن المرضى وكبار السن وأصحاب الحاجات؟ هل أصبح المواطن مطالباً بأن يتحمل فوق معاناته معاناة الانتظار، ثم يدفع ثمن الشك وانعدام الثقة بين أجهزة الدولة ومواطنيها؟
إن معالجة التجاوزات لا تكون بمعاقبة الجميع، ولا بتحويل المواطن إلى متهم عليه أن يثبت حسن نيته في كل خطوة. وظيفة الدولة أن تضبط السوق وتحاسب المتلاعبين، لا أن تجعل حياة الناس رهينة لإجراءات عقابية جماعية.
والأدهى من ذلك أن يصدر قرار اليوم، ثم يُصرّ على تطبيقه فوراً، دون أدنى اعتبار لأشخاص ومؤسسات بدأوا بالفعل إجراءاتهم وفق القرار السابق، وربما دفعوا أموالاً والتزموا تعاقدات ورتبوا أوضاعهم على أساسه.
لا توجد حياة إدارية مستقرة إذا كانت القواعد تتغير فجأة، ولا توجد بيئة استثمارية جاذبة إذا أصبح صاحب المال لا يعرف ما الذي ينتظره غداً.
ومن أبجديات الإدارة الرشيدة أن القرارات التي تمس مصالح الناس والتزاماتهم ينبغي أن تُمنح مهلة مناسبة لتوفيق الأوضاع، أو التهيئة للانتقال إلى النظام الجديد، قد تمتد من شهر إلى ثلاثة أشهر، وفقاً لطبيعة القرار وحجم تأثيره، ما لم تكن هناك ضرورة استثنائية تفرض خلاف ذلك.
أما أن تستيقظ المؤسسات والأفراد على قرارات جديدة، ويُطلب منهم تنفيذها فوراً، دون مراعاة لما ترتب على القرارات السابقة، فذلك ليس حزماً إدارياً، بل ارتباك في صناعة القرار وغياب للتخطيط واستسهال لحقوق الآخرين.
ولنا في قرارات حظر السلع، وجمارك السيارات، واستيراد الوقود، وعودة مؤسسات التعليم العالي، وغيرها من القرارات، شواهد تستحق المراجعة والتقييم، ليس بالضرورة رفضاً لمضمونها، وإنما اعتراضاً على منهجية إصدارها وتوقيت تنفيذها وغياب التدرج والانتقال المنظم.
إن الدولة ليست سلطة أوامر ونواهٍ فحسب، وليست مؤسساتها ساحات لتجريب القرارات على حساب المواطنين. الدولة مسؤولية ورعاية وعدالة، وأول واجباتها أن تحمي الناس من المعاناة، لا أن تضيف إليها معاناة جديدة.
السادية في إدارة شؤون الرعية ليست مجرد عنوان، بل هي وصف لحالة يصبح فيها متخذ القرار غافلاً عن آلام الناس، أو غير مكترث بما تسببه قراراته من أذى، وكأن المواطن مجرد رقم في كشف أو متلقٍ للأوامر لا صاحب حق وكرامة.
نريد دولة مؤسسات، لا دولة مفاجآت. ونريد قرارات مدروسة، لا قرارات انفعالية، وإدارة تحترم عقل المواطن ووقته وماله، وتدرك أن الثقة بين الدولة والمجتمع لا تُبنى بالأوامر، وإنما بالعدل والشفافية وحسن التدبير.
ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.
حمانا الله وإياكم من خطل الرأي وسوء المنقلب.



