مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… الصالح والمصالح!!

هناك فرقٌ دقيقٌ بين رجلين، قد يبدوان من بعيد متشابهين، لكنهما في الحقيقة على طرفي نقيض. الأول صالحٌ في نفسه، والثاني مصلحٌ لمجتمعه. الأول أضاء قلبه، والثاني أضاء قلبه وقلوب من حوله. الأول نجا بنفسه، والثاني أنجى غيره معه.

ولهذا نحن اليوم لا نحتاج إلى صالحين فقط، بل نحتاج إلى مصلحين.

فالصالح هو الذي يقيم الليل، ويصوم النهار، ويحفظ لسانه، ويغضّ بصره، ويعبد ربه في خلوته، وهذا خيرٌ عظيم، لا يُستهان به أبدًا. لكنه قد يكتفي بصلاح نفسه، ويغلق بابه، ويقول: ما لي وللناس؟ لقد أصلحت نفسي، فليصلح كلٌّ نفسه بنفسه. فيعيش صالحًا، ويموت صالحًا، لكنه يترك مجتمعه كما وجده، بل ربما أسوأ.

أما المصلح، فهو الذي لا يرضى أن يكون النور في قلبه فقط، بل يريد أن يصير النور في الشارع، وفي البيت، وفي السوق، وفي المدرسة، وفي كل مكان. هو الذي إذا رأى خطأً لم يسكت، وإذا رأى منكرًا لم يغضّ الطرف، وإذا رأى شابًا تائهًا أخذ بيده، وإذا رأى أسرةً تتمزق جمع شملها، وإذا رأى ظلمًا وقف في وجهه.

وقد نبّهنا القرآن الكريم إلى هذا الفرق العظيم، حين قال الله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117]

ولم يقل: وأهلها صالحون. لأن القرية قد تمتلئ بالصالحين الصامتين، الذين يصلّون ويصومون ولا يتدخلون، فتهلك رغم صلاحهم، لأن صلاحهم لم يتحول إلى إصلاح. أما إذا كان فيها مصلحون، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويحملون همّ الأمة، فإن الله يحفظها بهم، ويرفع عنها العذاب ببركتهم.

وهذا ما أكّده النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:

«مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» [رواه البخاري]

تأمّل هذا الحديث العجيب. السفينة واحدة، والمصير واحد. فإذا سكت الصالح عن المفسد، غرق الجميع. وإذا أخذ المصلح على يد المفسد، نجا الجميع. فالصمت هنا ليس حكمة، بل خيانة للسفينة كلها.

لذلك كان الأنبياء عليهم السلام كلهم مصلحين، ولم يكونوا صالحين فقط. فهذا نوح عليه السلام لم يكتفِ بأن يكون صالحًا في بيته، بل دعا قومه ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، ألف سنة إلا خمسين عامًا. وهذا إبراهيم عليه السلام حطّم الأصنام بيده، وواجه الملك الظالم وحده. وهذا موسى عليه السلام وقف أمام فرعون وقال له: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن صالحًا في غار حراء فقط، بل نزل إلى مكة ليصلحها، ثم إلى المدينة ليبنيها، ثم إلى العالم كله ليخرجه من الظلمات إلى النور.

وقال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم]

فالإصلاح درجات، وليس لأحد عذر أن يقول: لا أستطيع. إن لم تستطع بيدك، فبلسانك، بكلمة طيبة، بنصيحة صادقة، بمنشور يهدي، بمقطع يوقظ، بموقف شجاع. وإن لم تستطع بلسانك، فبقلبك، بأن لا ترضى، وأن لا تصفّق للباطل، وأن لا تجامل على حساب الحق.

نحن اليوم في زمنٍ كثر فيه الصالحون الصامتون، وقلّ فيه المصلحون الصادقون. كثر من يقول: أنا أصلي، وأنا لا أؤذي أحدًا، وهذا يكفيني. وقليل من يقول: أنا أصلي، وأريد أن يصلي جاري، وأريد أن يستقيم ولدي، وأن تصلح مدرستي، وأن يعمّ الخير في بلدي.

إن الصالح نورٌ لنفسه، والمصلح نورٌ لأمته. الصالح كالشمعة التي تضيء غرفتها، والمصلح كالشمس التي تضيء المدينة كلها. الصالح يحب الخير لنفسه، والمصلح يحب الخير للناس كما يحبه لنفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [متفق عليه]

فكن مصلحًا، ولا تكتفِ بأن تكون صالحًا. كن نقطة ضوء في بيتك، وفي حيّك، وفي عملك، وفي صفحتك. قد تكون كلمة منك سببًا في هداية إنسان، وقد تكون نصيحة منك سببًا في إنقاذ أسرة، وقد يكون موقفك سببًا في إيقاظ أمة.

لا تقل: أنا وحدي، ماذا سأفعل؟ فالنور يبدأ بنقطة ضوء واحدة، ثم ينتشر. والمصلح الواحد قد يغيّر قرية، والقرية قد تغيّر أمة.

فاللهم اجعلنا صالحين مصلحين، هادين مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، واجعلنا ممن قال فيهم: ﴿وَالْعَصْرِ _ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ _ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1-3]

فالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، هو جوهر الإصلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى