رغيف الخبز بين دقيق القمح الأبيض ودقيق الذرة السودانية… هل تستطيع ذرتنا الوطنية أن تصنع رغيف المستقبل؟

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل
رغيف الخبز بين دقيق القمح الأبيض ودقيق الذرة السودانية
الجزء الثاني: هل تستطيع ذرتنا الوطنية أن تصنع رغيف المستقبل؟
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
ليس الرغيف مجرد قطعة خبز توضع على المائدة، بل هو عنوان من عناوين الأمن الغذائي، ومؤشر على قدرة الدولة على توفير احتياجات مواطنيها من مواردها وإمكاناتها. وحين يصبح توفير الخبز مرتبطاً بالاستيراد وتقلبات الأسواق العالمية وتوافر العملات الأجنبية، فإن من حقنا أن نطرح سؤالاً استراتيجياً: لماذا لا نستثمر محاصيلنا الوطنية، وفي مقدمتها الذرة الرفيعة، لتكون شريكاً أساسياً في صناعة رغيفنا اليومي؟
لقد اعتاد كثير من السودانيين على الخبز المصنوع من دقيق القمح الأبيض، المعروف تجارياً في بعض الأسواق بدقيق «دبل زيرو».
وهذا الدقيق يمر بعمليات طحن وتنقية وإزالة لطبقات من حبة القمح، ولا سيما النخالة والجنين، للحصول على دقيق أبيض ناعم. وتؤدي هذه العملية إلى تقليل جانب من الألياف وبعض الفيتامينات والمعادن الموجودة في الحبة الكاملة، وإن كانت بعض أنواع الدقيق تُدعّم بعناصر غذائية بعد التصنيع.
ولا يعني ذلك أن دقيق القمح الأبيض سمٌّ أو أن تناوله ممنوع؛ فالقمح غذاء مهم، وله مكانته في مطابخ العالم، كما أن دقيق القمح الكامل يوفر خياراً غذائياً يحتفظ بقدر أكبر من مكونات الحبة. غير أن الاعتماد المفرط على الحبوب المكررة، دون تنويع مصادر الغذاء، يستدعي مراجعة عاداتنا الغذائية والبحث عن بدائل محلية أكثر تنوعاً.
وهنا تبرز الذرة الرفيعة السودانية. فهي ليست غريبة عن مائدتنا، بل هي جزء من هويتنا الغذائية، وتملك من الخصائص ما يجعلها جديرة بالدخول في صناعات غذائية حديثة، ومنها صناعة الخبز.
لكن الأمر يحتاج إلى فهم علمي وتقني. فالقمح يحتوي على بروتينات الغلوتين التي تمنح العجين مرونته وقدرته على الاحتفاظ بالغازات الناتجة عن التخمير، وهو ما يساعد على تكوين رغيف متماسك ذي قوام مألوف. أما الذرة الرفيعة فهي خالية طبيعياً من الغلوتين، ولذلك لا يتصرف دقيقها بالطريقة نفسها عند العجن والتخمير.
وهذا لا يجعل صناعة الخبز منها مستحيلة، وإنما يجعلها محتاجة إلى تطوير تقنيات خاصة، واختيار نسب مناسبة من الماء والمكونات الرابطة وطرق الخلط والتخمير والخبز. ويمكن البدء بإنتاج خلطات تجمع بين دقيق الذرة ودقيق القمح بنسب مدروسة، ثم اختبارها في المخابز والمعامل، وقياس جودتها وقيمتها الغذائية وتكلفتها ومدى قبول المستهلكين لها.
إننا لا ندعو إلى إلغاء القمح بين ليلة وضحاها، ولا إلى فرض رغيف جديد على المواطن دون دراسة وتجربة؛ بل ندعو إلى فتح الباب أمام بدائل وطنية مدروسة، تبدأ بإدخال الذرة الرفيعة في صناعة الخبز بنسب قابلة للتطوير، وتتوسع كلما أثبتت التجارب نجاحها اقتصادياً وغذائياً وفنياً.
ومن المهم أيضاً أن نطوّر منتجاتنا التقليدية، كالكسرة والقراصة، ونمنحها مكاناً أكبر في الأسواق والمطاعم والمؤسسات، وأن نعمل على تحسين طرق تصنيعها وتعبئتها وحفظها، حتى تصل إلى المستهلك بجودة ثابتة، وتجد طريقها إلى الأسواق الخارجية.
إن الرغيف الذي نطمح إليه ليس مجرد رغيف مصنوع من الذرة، بل هو ثمرة تعاون بين المزارع والباحث والمهندس الغذائي وصاحب المطحن والمخبز وصانع القرار. وهو مشروع يحتاج إلى تجارب علمية ومواصفات إنتاج واضحة، لا إلى الشعارات وحدها.
ولعل من أعظم المكاسب أن نعيد الاعتبار إلى محصولنا الوطني، وأن نمنح المزارع السوداني فرصة جديدة، وأن نفتح أمام الصناعات الغذائية المحلية مجالاً للتطوير والتنافس، وأن نجعل من تنويع مصادر الغذاء وسيلة لتعزيز قدرة بلادنا على مواجهة الأزمات.
لكن القضية لا تقف عند حدود الرغيف وجودته؛ فخلف كل جوال قمح مستورد عملات صعبة، وخلف كل أزمة في الإمدادات العالمية تحدٍّ يمس مائدة المواطن واستقرار الاقتصاد الوطني.
فكيف يمكن للذرة الرفيعة أن تتحول من محصول زراعي إلى ركيزة في مشروع وطني للاستقلال الغذائي، وتقليل فاتورة الاستيراد، وفتح أبواب الإنتاج والتصدير؟
هذا ما نتناوله في الجزء الثالث والأخير: «رغيف السودان من أرض السودان… نحو استقلال غذائي واقتصادي».



