د. إسماعيل الحكيم يكتب… الرماد في عيون الحقيقة: تداعيات الفراغ الحزبي وتغييب الحياة السياسية في السودان

تتخبط الدولة السودانية اليوم في لجة من الفراغ الهيكلي غير المسبوق إثر غياب الكيانات الحزبية عن مسرح الأحداث وتحول الساحة إلى مساحة مقفرة تفتقر للبوصلة والمرجعية وتتجاذبها عواصف التشتت والانقسام بعد أن تلاشت التقاليد المؤسسية التي كانت تنظم التنافس وتضبط إيقاع العمل العام، وما يضاعف من عمق هذه الأزمة هو تعطيل مجلس الأحزاب السياسية الذي كان يمثل المظلة القانونية والناظمة لترقية الممارسة الديمقراطية وضمان التداول السليم للسلطة، وحين تخلو الساحة من الوسطاء المدنيين المنظمين تتلقف مخرجات هذا الفراغ نزعات الجهوية والقبلية الضيقة بينما تتسيد المشهد أجندات القوة والعنف المادي بعيداً عن أطر الفكر والمشروع الوطني الجامع، فالسياسة كالطبيعة تأبى الفراغ وحين يُطرد الفاعل المدني المنظم لا يحل محله البديل الرشيد بل تتسلط قوى الغلبة والعبث.
وتدلل الشواهد التاريخية في تجارب الأمم المعاصرة على أن محو التنظيمات السياسية واجتثاثها قسرياً لا يؤدي البتة إلى الاستقرار بل يدفع بالصراعات نحو أقبية السرية والتطرف ويفقد الأنظمة قنوات الاتصال الحيوي مع قواعدها الشعبية، وتتوارى خلف المشهد الظاهري زوايا حرجة لا تلتفت إليها العيون تتمثل في تجفيف ينابيع الكوادر القيادية الشابة وتيبيس عروق الإدارة المدنية وفقدان الوسطاء الدوليين لأطراف
تفاوضية تمثل الجماهير الحقيقية مما يجعل أي تسوية مستقبلية رهينة للهشاشة والانهيار السريع، وتبرز في هذا السياق معضلة تغييب التيارات الإسلامية عن المشهد تحت وطأة الضغوطات الإقليمية والدولية المستمرة والتي ينظر إليها البراغماتيون بوصفها استجابة لمتطلبات المرحلة بينما تؤكد القراءة الموضوعية أن شطب أي مكون مجتمعي واسع الجذور لا يلغي وجوده إنما يحوله إلى مظلومية كامنة قد تنفجر في وجه الجميع بصورة أشد ضراوة، وتتأكد استحالة بلوغ الغاية
المنشودة في تأسيس حكم مدني خالٍ من الشوائب أو رعاية حوار سوداني-سوداني حقيقي يملكه أبناء الوطن وحدهم ما دامت الأسس مهترئة والمقدمات مقلوبة، فلا يستقيم عود البناء الوطني المنشود إذا كان ظله معوجاً.
وإن مخرج البلاد الوحيد من نفق التشظي الحالي يكمن في الإقرار الشجاع بأن عودة الحياة السياسية وانتظام القواعد الحزبية المؤهلة واعتماد الحوار الشامل دون إقصاء تظل جميعها ضرورة وجودية لا غنى عنها لإنقاذ ما تبقى من أركان الدولة وإعادة بناء المستقبل على أسس متينة من الرشد والمسؤولية الوطنية.



