ابو عبيدة أحمد علي يكتب… تنافس الكبار… والسودان يحدد شروط الشراكة!!

رؤية وطنية… َنكتب للوطن ونفكر للمستقبل
بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة: استثمر البحر الأحمر مع الدول العظمى، فسيكون قراراً تاريخياً!
الجزء الثاني: تنافس الكبار… والسودان يحدد شروط الشراكة
إذا كان البحر الأحمر يمثل بوابة السودان الاستراتيجية إلى العالم، فإن حسن إدارة العلاقات مع القوى الدولية هو المفتاح الذي يجعل هذه البوابة مصدراً للنهضة والازدهار، لا مدخلاً للتنافس على النفوذ أو التدخل في القرار الوطني.
سعادة الرئيس،
إن العالم يضم قوى اقتصادية كبرى تمتلك إمكانات وخبرات يمكن للسودان أن يستفيد منها. فروسيا تمتلك خبرات في التعدين والطاقة والصناعات الثقيلة والسكك الحديدية، والصين لها قدرات واسعة في إنشاء الموانئ والطرق والمناطق الصناعية والبنية التحتية، وتركيا تمتلك خبرات معتبرة في الإنشاءات والصناعات والخدمات اللوجستية.
أما الولايات المتحدة الأمريكية، فلديها شركات وتقنيات وخبرات متقدمة في الطاقة والزراعة والتكنولوجيا والصناعات الحديثة والتمويل، ويمكن أن تكون شريكاً مهماً في النهضة الاقتصادية السودانية متى توافرت البيئة الاستثمارية والقانونية المناسبة.
فلماذا لا يضع السودان أمام هذه الدول مشروعاً وطنياً متكاملاً، يدعوها إلى التنافس على فرص استثمارية محددة في ساحل البحر الأحمر وفي مناطق الإنتاج والموارد داخل البلاد؟
إنني أقترح أن تُعد الدولة خريطة استثمارية شاملة، تتضمن مشروعات لتطوير الموانئ، وإنشاء المناطق الاقتصادية الحرة، ومراكز التخزين الاستراتيجي، ومحطات الطاقة، والسكك الحديدية، والصناعات التحويلية، والخدمات البحرية، ثم تُطرح هذه المشروعات أمام الشركات المؤهلة وفق منافسة عادلة وشفافة.
يمكن أن تتقدم شركات روسية لمشروعات التعدين والتخزين والنقل، وأن تتنافس شركات صينية على تطوير الموانئ والبنية التحتية، وأن تدخل الشركات التركية في الإنشاءات والصناعات والخدمات البحرية، وأن تُتاح للشركات الأمريكية وغيرها فرص الاستثمار في الطاقة والتكنولوجيا والزراعة والصناعات الغذائية.
لكن ينبغي أن نكون واضحين: لسنا بصدد تقسيم الساحل السوداني بين الدول، ولا منح حصص جغرافية من مياهنا الإقليمية أو أراضينا السيادية. إنما نتحدث عن توزيع المشروعات والفرص الاستثمارية، بحيث يبقى القرار للسودان، وتظل الأرض والموانئ والمياه والموارد خاضعة لسيادته وقوانينه.
وليس المطلوب أن نختار شريكاً واحداً ونغلق الأبواب أمام الآخرين؛ بل أن ننوع شركاءنا، ونوسع خياراتنا، ونستخدم التنافس الدولي لتحقيق أفضل العروض، وأقل التكاليف، وأعلى عائد اقتصادي، وأكبر قدر من نقل التكنولوجيا وتدريب الكفاءات السودانية.
إن المستثمر الذي يأتي إلى السودان يجب أن يجد دولة تحترم تعاقداتها وتحمي استثماراته المشروعة، لكنه يجب أن يدرك في الوقت نفسه أن السودان ليس أرضاً مستباحة، وأن المصلحة الوطنية ليست بنداً قابلاً للحذف من أي اتفاق.
ولذلك لا بد أن تكون العقود محددة المدة والالتزامات، وخاضعة للقوانين السودانية، وأن تخضع المشروعات للرقابة المؤسسية والمالية والقانونية، مع ضمان عدم الاحتكار أو التنازل عن الأصول السيادية أو إنشاء ترتيبات تنتقص من سلطة الدولة.
إننا نريد تنافساً على بناء السودان، لا تنافساً على امتلاك السودان.
وهذا هو جوهر الدبلوماسية الاقتصادية التي ينبغي أن تنتهجها الدولة: علاقات متوازنة مع الجميع، ومصالح متبادلة، وشراكات لا تنتقص من استقلال القرار الوطني.
لكن هذه الرؤية لن تكتمل بمجرد دعوة الدول الكبرى للاستثمار؛ فالسؤال الأهم هو: ماذا سيستثمر العالم في السودان؟ وما الثروات التي تجعل هذه الدعوة ذات قيمة اقتصادية حقيقية؟ وكيف نربط البحر الأحمر بالزراعة والمعادن والثروة الحيوانية والصناعات الوطنية، حتى لا نصدر مواردنا خاماً ونستورد منتجاتها المصنعة بأضعاف قيمتها؟
يتبع في الجزء الثالث والأخير: «ثروات السودان والقرار الذي يصنع التاريخ… من البحر الأحمر إلى نهضة الإنتاج والأمن الغذائي وإعادة بناء الاقتصاد الوطني».



