مقالات الظهيرة

السلام المستدام في السودان: من وقف إطلاق النار إلى بناء الدولة والعقد الاجتماعي الجامع

بقلم: الأستاذ محمد أحمد البشرى

لم يعد السلام في السودان مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة وطنية وإنسانية لإنهاء حرب استنزفت مقدرات البلاد، ومزقت نسيجها الاجتماعي، وشردت الملايين من أبنائها. والمطلوب ليس وقفاً مؤقتاً للقتال، بل سلام مستدام يعيد للدولة هيبتها، ويصون كرامة المواطن، ويرسخ الاستقرار والعدالة والمواطنة المتساوية.

 

أولاً: وقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية والعسكرية

 

يمثل وقف إطلاق النار الخطوة الأولى نحو إنهاء الحرب، لكنه لا يكفي ما لم تقترن به آليات فاعلة لمراقبة الالتزام، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية. كما يتطلب السلام معالجة تعدد مراكز القوة المسلحة، وصولاً إلى حصر السلاح والقوة المسلحة المشروعة في مؤسسات الدولة، وفق ترتيبات واضحة ومتدرجة، قابلة للتنفيذ والتحقق، وخاضعة للمساءلة.

 

ثانياً: الحوار السوداني–السوداني مدخل للحل السياسي

 

يقتضي السلام إطلاق حوار وطني جامع، يشارك فيه السودانيون بمختلف قواهم السياسية والمدنية والمجتمعية، إلى جانب الشباب والنساء والإدارات الأهلية وممثلي النازحين واللاجئين، بعيداً عن الإقصاء والمحاصصة. ويتناول هذا الحوار قضايا الحكم والدستور، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وتوزيع السلطة والثروة، والعدالة الانتقالية، والمصالحة، وإعادة الإعمار.

 

ولا يتعارض هذا الحوار مع المبادرات الإقليمية والدولية، بل يستفيد من دعمها مع الحفاظ على ملكية السودانيين للعملية السياسية واستقلال قرارهم الوطني. فالمساران السياسي والأمني العسكري متكاملان؛ إذ يوفر الأمن الحماية للتسوية السياسية، ويمنح التوافق الوطني السلام شرعيته ومقومات استدامته.

 

ثالثاً: معالجة جذور الأزمة وتحقيق العدالة

 

لا يمكن تحقيق سلام مستدام من دون إصلاح مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون واستقلال القضاء، ومعالجة المظالم التاريخية، وضمان المشاركة السياسية المتوازنة. وتتطلب المصالحة الوطنية كشف الحقائق، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم؛ فالعدالة ليست عائقاً أمام السلام، بل ركيزة أساسية لثباته واستمراره.

 

رابعاً: التنمية وإعادة بناء الدولة

 

يكتمل السلام بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وتأهيل الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين طوعاً، في أمان وكرامة. ويتطلب ذلك تنمية عادلة تشمل جميع الأقاليم، وتعالج التهميش والإقصاء، إلى جانب بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على الشرعية الدستورية، واستقلال المؤسسات، والتداول السلمي للسلطة، واحترام الحقوق والحريات.

 

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة صياغة عقد اجتماعي سوداني جامع يؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، قوامها المواطنة المتساوية، ووحدة البلاد، واحترام التنوع، والعدالة في توزيع السلطة والثروة، وصون الحقوق دون تمييز.

 

الخاتمة: من وقف الحرب إلى استعادة الوطن

 

إن السلام المستدام مشروع وطني متكامل، يبدأ بوقف إطلاق النار، ويستند إلى ترتيبات أمنية وعسكرية قابلة للتنفيذ والتحقق والمساءلة، ويتقدم عبر حوار سوداني–سوداني شامل يعالج جذور الأزمة، ويؤسس للعدالة والمصالحة والتنمية وإعادة بناء الدولة.

 

وتتحمل القوى الوطنية مسؤولية تاريخية تقتضي تجاوز الخلافات الثانوية، وتغليب المصلحة الوطنية، والتوافق على خارطة طريق واقعية تضع إنهاء الحرب وحماية المواطنين واستعادة الاستقرار في مقدمة الأولويات.

 

فالسودان لا يحتاج إلى هدنة تعقبها عودة إلى القتال، ولا إلى حوار ينتهي بالمحاصصة، بل إلى مشروع وطني يجمع بين الأمن والعدالة والتوافق والتنمية، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد يحول دون تكرار المأساة.

 

والسلام المستدام ليس مجرد نهاية للحرب، بل بداية لاستعادة الوطن؛ وليس مجرد غياب للسلاح، بل حضور للدولة والعدالة والكرامة الإنسانية.

 

وطن واحد، وحقوق متساوية، ومستقبل يجمعنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى