الدكتوراه الفخرية للبرهان.. انتصار القيادة وإرادة السودان!!

مسارب الضي | يكتبه | د. محمد تبيدي:
في لحظات التاريخ الفارقة، تتجاوز بعض الأحداث حدود التكريم الشخصي لتصبح رسائل سياسية ووطنية ذات دلالات عميقة، تحمل في طياتها اعترافاً بمكانة القيادة، وتقديراً للدور الذي تضطلع به المؤسسات الوطنية في مواجهة التحديات الكبرى.
ومن هذا المنطلق، فإن نيل الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة موسكو الحكومية، في مجال الدور القيادي، يمثل حدثاً يتجاوز حدود التكريم الأكاديمي، ليحمل دلالات وطنية وسياسية واستراتيجية، في ظل ما يواجهه السودان من حرب وتحديات تستهدف أمنه واستقراره ووحدة أراضيه.
إن هذا التكريم، في توقيته ومضمونه، يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمكانة السودان في المشهد الدولي، وللدور الذي تضطلع به القيادة السودانية في إدارة واحدة من أعقد الأزمات التي شهدتها البلاد في تاريخها الحديث.
أولاً: الدكتوراه الفخرية.. اعتراف بمكانة القيادة
إن منح الدكتوراه الفخرية من مؤسسة أكاديمية ذات مكانة دولية، مثل جامعة موسكو الحكومية، لا يُقرأ باعتباره مجرد شهادة تضاف إلى السيرة الذاتية لقائد، وإنما بوصفه مناسبة لاستحضار الدور القيادي الذي يقوم به في مرحلة استثنائية من تاريخ وطنه.
فالقيادة، في أوقات السلم، قد تُقاس بقدرتها على إدارة المؤسسات وتحقيق التنمية، أما في أوقات الحرب، فإنها تُختبر في قدرتها على المحافظة على الدولة، وحماية مؤسساتها، وإدارة المعركة، وصيانة القرار الوطني من الاختراق والارتهان.
وهنا تبرز أهمية هذا التكريم، باعتباره رسالة تقدير للدور القيادي الذي يقوم به البرهان في قيادة القوات المسلحة السودانية خلال معركة الدفاع عن الدولة ومؤسساتها.
ثانياً: البرهان.. قيادة في قلب معركة الوطن
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل كانت اختباراً وجودياً للدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية.
فمنذ اندلاع الحرب، واجهت القوات المسلحة تحديات عسكرية وأمنية وسياسية واقتصادية بالغة التعقيد، في ظل استهداف مؤسسات الدولة، وتدمير البنية التحتية، وتشريد المواطنين، وتعطيل الحياة العامة.
وفي قلب هذه المعركة، ظل البرهان يتولى قيادة القوات المسلحة، في ظروف تتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار.
إن القيادة العسكرية لا تُقاس فقط بالانتصارات الميدانية، وإنما كذلك بقدرتها على إدارة الموارد، وتنسيق الجهود، والمحافظة على تماسك المؤسسة العسكرية، والتعامل مع المتغيرات السياسية والاستراتيجية المحيطة بالحرب.
ومن هنا، فإن التكريم الذي ناله البرهان يمثل، في القراءة الوطنية، تقديراً لدور القيادة في مواجهة هذه التحديات، ويمنح المناسبة بعداً يتجاوز الشخص إلى المؤسسة التي يقودها.
ثالثاً: انتصار للقوات المسلحة في شخص قائدها
إن القوات المسلحة السودانية، بما تمثله من مؤسسة وطنية عريقة، لا تخوض معركتها دفاعاً عن مواقع عسكرية فحسب، بل دفاعاً عن الدولة السودانية ومؤسساتها وسيادتها.
ولذلك، فإن أي تقدير دولي للدور القيادي لقائدها العام ينعكس، من الناحية الرمزية والسياسية، على المؤسسة العسكرية التي يقودها.
فالبرهان، في هذا السياق، يمثل واجهة القيادة العسكرية والسياسية للدولة، والتكريم الذي ناله يمكن أن يُقرأ بوصفه تقديراً للدور الذي تقوم به القوات المسلحة في مواجهة التحديات التي فرضتها الحرب.
إنها رسالة معنوية مهمة للجنود والضباط الذين يقفون في ميادين القتال، ولأسر الشهداء والجرحى، وللمواطنين الذين ينتظرون استعادة الأمن والاستقرار.
رسالة تقول إن تضحيات السودانيين لا ينبغي أن تُنسى، وإن الدفاع عن الدولة ومؤسساتها يظل قضية وطنية تستحق التقدير والاعتراف.
رابعاً: هزيمة مشروع تأسيس.. معركة الشرعية والسيادة
في المقابل، فإن هذا التكريم يضع مشروع حكومة تأسيس، المرتبط سياسياً وعسكرياً بمليشيا الدعم السريع، أمام تساؤلات جوهرية بشأن الشرعية والتمثيل الوطني.
فالدولة لا تُبنى بمجرد إعلان سياسي، ولا تُكتسب شرعيتها عبر السيطرة المسلحة على المدن أو المؤسسات، وإنما تقوم على الإرادة الوطنية، واحترام السيادة، وصيانة مؤسسات الدولة، والاحتكام إلى الشعب.
ومن هذا المنطلق، فإن أي اعتراف دولي بمكانة القيادة السودانية ومؤسساتها الوطنية يمثل، من الناحية السياسية والرمزية، تحدياً للمشروعات التي تسعى إلى فرض واقع جديد على السودان بقوة السلاح.
إن الهزيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي لا تكون فقط في خسارة معركة عسكرية، وإنما في فقدان القدرة على إقناع الشعب بجدواه، وفي العجز عن تقديم نموذج يحظى بالقبول الوطني.
ومشروع تأسيس، مهما حاول أن يقدم نفسه بوصفه بديلاً سياسياً، سيظل أمام امتحان الإرادة الشعبية السودانية، وامتحان احترام الدولة ومؤسساتها، وامتحان المسؤولية عن الدماء والدمار الذي خلفتها مليشيا آل دقلو الإرهابية.
خامساً: محمد بن زايد.. الدور الإقليمي ومساءلة المواقف
لا يمكن قراءة الحرب السودانية بمعزل عن أبعادها الإقليمية والدولية، وعن مواقف القوى التي تتداخل مصالحها مع تطورات المشهد السوداني.
وفي هذا السياق، محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، في النقاشات السياسية والإعلامية السودانية بشأن الدور الإماراتي في الحرب.
وقد ظلت الحكومة السودانية تتهم الإمارات بدعم مليشيا الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي.
ومن هنا، فإن أي تكريم دولي للقيادة السودانية يمكن أن يُقرأ باعتباره تعزيزاً للموقف السياسي السوداني في مواجهة الأطراف التي تتهمها الخرطوم بالتدخل في شؤونها الداخلية.
لكن من المهم التأكيد أن التكريم الأكاديمي، في حد ذاته، لا يمثل حكماً دولياً على هذه الاتهامات، ولا يثبت مسؤولية أي طرف عن الحرب.
إن القضية السودانية تحتاج إلى مواقف دولية واضحة، وإلى احترام سيادة السودان، وإلى وقف أي دعم عسكري أو سياسي من شأنه إطالة أمد الحرب وتعميق معاناة المواطنين.
فالسودان ليس ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا ينبغي أن يكون مستقبله رهينة لصراعات النفوذ أو المصالح الخارجية.
سادساً: موسكو.. دلالات التكريم في ميزان العلاقات الدولية
إن اختيار جامعة موسكو الحكومية لمنح هذا التكريم يحمل أهمية خاصة بالنظر إلى موقع روسيا في النظام الدولي، وعلاقاتها السياسية والاستراتيجية مع السودان.
فالعلاقات بين الدول لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات الرسمية، وإنما تتشكل كذلك من خلال التفاهمات السياسية، والمواقف الدبلوماسية، والاعتراف المتبادل بالمصالح.
وفي ظل الحرب السودانية، فإن أي تقارب أو تواصل دولي مع القيادة السودانية يحمل دلالات تتعلق بمكانة السودان، وبقدرته على بناء علاقات خارجية تخدم مصالحه الوطنية.
ومع ذلك، فإن التكريم الأكاديمي ينبغي ألا يُحمّل أكثر مما يحتمل، فهو لا يعني بالضرورة تحولاً في المواقف السياسية الروسية، ولا يمثل وحده ضمانة لمساندة السودان في كل الملفات.
لكن يمكن النظر إليه باعتباره فرصة لتعزيز الحوار والتعاون، وفتح آفاق جديدة أمام العلاقات السودانية الروسية في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأكاديمية.
سابعاً: الانتصار الحقيقي.. استعادة الدولة وكرامة المواطن
إن التكريم الذي ناله البرهان يكتسب قيمته الحقيقية عندما يُترجم إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
فالسودانيون لا ينتظرون الشهادات الفخرية وحدها، وإنما ينتظرون عودة الأمن إلى المدن والقرى، واستعادة الخدمات الأساسية، وعودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
كما ينتظرون حماية المدنيين، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وبناء دولة القانون والمؤسسات التي تضمن حقوق الجميع دون تمييز.
إن الانتصار الحقيقي ليس في الاحتفاء بالقيادة فحسب، بل في أن يشعر المواطن بأن الدولة قد استعادت قدرتها على حمايته، وأن حياته أصبحت أكثر أمناً واستقراراً.
فالشهادة الفخرية قد تمنح القائد تقديراً دولياً، لكن التاريخ يمنح مكانته النهائية بناءً على ما يحققه من نتائج لشعبه ووطنه.
ثامناً: رأيي ككاتب.. التكريم مسؤولية قبل أن يكون احتفاءً
إن نيل الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان الدكتوراه الفخرية من جامعة موسكو الحكومية في مجال الدور القيادي يمثل، في تقديري، مناسبة وطنية تستحق التوقف عندها، لا باعتبارها انتصاراً شخصياً مجرداً، وإنما بوصفها فرصة لتجديد الثقة في مؤسسات الدولة، وتعزيز الروح الوطنية، واستحضار تضحيات القوات المسلحة والشعب السوداني.
وأرى أن هذا التكريم يحمل رسالة معنوية مهمة في وقت يحتاج فيه السودان إلى دعم مواقفه الوطنية، وإلى الاعتراف بحقه في حماية سيادته ووحدة أراضيه.
لكنني أؤكد أن القيمة الكبرى لهذا التكريم ستظل مرتبطة بما يترتب عليه من مسؤولية وطنية مضاعفة، تتمثل في حماية المواطنين، وتحقيق الأمن، واستعادة الدولة، وفتح الطريق أمام سلام عادل ومستدام.
كما أن الهزيمة السياسية لأي مشروع يسعى إلى فرض نفسه على السودان بالقوة لا تتحقق بمجرد التكريم أو التصريحات، وإنما تتحقق عندما يستعيد الشعب حقه في تقرير مصيره، وعندما تتوقف الحرب، وتُصان السيادة، وتُبنى مؤسسات الدولة على أسس وطنية راسخة.
إن الدكتوراه الفخرية التي نالها القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان من جامعة موسكو الحكومية، تمثل محطة ذات دلالات وطنية وسياسية ومعنوية في مسيرة السودان خلال هذه المرحلة العصيبة.
وهي مناسبة يمكن أن تُقرأ بوصفها انتصاراً معنوياً للقيادة السودانية، وتقديراً للدور الذي تقوم به القوات المسلحة في الدفاع عن الدولة ومؤسساتها.
لكن السودان أكبر من الأشخاص، والدولة أكبر من القيادات، والوطن أكبر من كل المناصب والتكريمات.
فالمعركة التي يخوضها السودانيون اليوم ليست معركة شهادة فخرية، بل معركة وجود وسيادة وكرامة.
معركة من أجل أن يبقى السودان وطناً موحداً، وأن تعود مؤسساته الوطنية، وأن ينعم شعبه بالأمن والسلام.
وستظل القوات المسلحة السودانية، في وجدان شعبها، عنواناً للدفاع عن الوطن، ورمزاً للصمود في وجه التحديات.
وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة



