(رياح هببنا) النائحة المستأجرة.. عندما يصبح البكاء بضاعة!

بقلم: عبد الله حسب الرسول علي
من الظواهر الغريبة والعجيبة التي انتشرت في مجتمعنا في الفترة الأخيرة، ظاهرة لم نكن نعرفها من قبل، أو كنا نعرفها ولكن على استحياء، وهي ظاهرة “النائحة المستأجرة”، المرأة التي يتم استئجارها بالمال، لكي تبكي في المأتم، حتى يكون البكاء “مسخن” وحار!
نعم، وصل بنا الحال إلى أن نستأجر من يبكي لنا. كأن الحزن أصبح لا يكفي، وكأن الدموع الحقيقية لأهل الميت لم تعد كافية لإقناع الناس أننا حزانى. لا بد من إضافة بهارات، ولا بد من إضافة صوت عالي ويصدح بما هو كذب ونفاق وشق جيوب، ولطم خدود، حتى يقول الناس: والله بكاهم حار، مأتمهم مسخن!
إنها قمة النفاق والكذب الاجتماعي. الموت مصيبة، والمصيبة تحتاج إلى صبر، وتحتاج إلى احتساب، وتحتاج إلى دعاء للميت، لا تحتاج إلى تمثيلية، ولا تحتاج إلى مسرحية، بطلها مستأجرة تتقاضى مبلغا من المال مقابل كل دمعة تنزل، ومقابل كل صرخة تطلقها قيمة معلومة انه البكاء مدفوع القيمة على قدر زمن البكاء(مدح بالساعات)
هذه المرأة، تأتي وهي لا تعرف الميت ولم تره في حياتها، وربما لا تعرف حتى اسمه ولكنها بمجرد أن تقبض المبلغ، تبدأ في البكاء والعويل، وتعدد محاسن الميت التي لا تعرفها، وتصرخ: “واي حليلي.. واي واي سبعي.. واي ضهري انكسر!” وهي في الحقيقة لا يهمها من انكسر ظهره، هي يهمها أن ينكسر جيب أهل الميت لتدفع لها أكثر.
والأغرب من ذلك أن أهل الميت أنفسهم، يكونون في كثير من الأحيان غير راضين عن هذا البكاء المصطنع ولكنهم يخضعون لضغط المجتمع. المجتمع الذي يقول: “مأتم فلان كان بارد، ما فيهو بكاء”. فيضطر أهل الميت المساكين، وهم في عز حزنهم، أن يستأجروا من يسخن لهم المأتم، حتى لا يتكلم عليهم الناس.
منذ متى كان البكاء مقياسا للحب؟ ومنذ متى كان الصراخ دليلا على الحزن؟ إن الحزن الحقيقي هو الصامت، هو الذي يكون في القلب، هو الدمعة التي تنزل في الخفاء، هو الدعاء للميت في جوف الليل، وليس الصراخ أمام الكاميرات وأمام الناس.
رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، عندما مات ابنه إبراهيم، قال: “إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون”. هذا هو الحزن الشريف، دمعة صادقة، وقلب حزين، ولسان لا يقول إلا ما يرضي الله. لم يستأجر نساء ليبكين، ولم يلطم خد، ولم يشق جيب.
أما اليوم، فقد أصبح المأتم سوقا. سوق للتباهي. من يأتي بمقرئ أغلى، ومن يأتي بخيمة أكبر، ومن يأتي بنائحة تبكي بصوت أعلى. ونسينا أن الميت لا يحتاج إلى كل هذا، الميت يحتاج إلى دعوة صادقة، إلى صدقة جارية، إلى ولد صالح يدعو له.
النائحة المستأجرة تكسب مالا حراما، لأن النياحة حرام. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب”. وقال: “ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية”.
والذي يستأجرها، يشاركها في الإثم، لأنه هو من شجعها على هذا الفعل، وهو من دفع لها المال لتفعل حراما.
ثم ما الفائدة؟ هل سيعود الميت إذا بكينا بصوت عال؟ هل سيرتاح الميت إذا استأجرنا عشرة نوائح؟ أبدا. الميت يرتاح بعمله الصالح، وبدعاء أهله له، لا بنواح المستأجرات.
علينا أن نعود إلى ديننا، وأن نعود إلى عاداتنا السودانية الأصيلة السمحة. كان أهلنا قديما، إذا مات لهم ميت، جلسوا بوقار، واستقبلوا المعزين بصبر، وقرأوا القرآن، ودعوا للميت بالرحمة والمغفرة. كان الحزن حزنا حقيقيا، وكان البكاء بكاء حقيقيا، لا مستأجرا.
أما اليوم، فأصبحنا نستأجر كل شيء، حتى البكاء. استأجرنا من يبكي، واستأجرنا من يفرح، واستأجرنا من يجامل، حتى فقدنا طعم المشاعر الحقيقية.
أوقفوا هذه المهزلة. أوقفوا هذه البدعة القبيحة. وفروا أموالكم التي تدفعونها للنائحة المستأجرة، وتصدقوا بها على روح الميت، فهي أنفع له، وأبقى له، وأرفع لدرجته عند الله.
البكاء الصادق لا يحتاج إلى تأجير، والحزن الصادق لا يحتاج إلى تسخين. من كان حزينا حقا، فليبك في قلبه، وليدع في سره، وليصبر وليحتسب، فذلك هو الحزن الذي يحبه الله ورسوله.
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا.
اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد.



