مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب…. وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.. أين البحث العلمي من إنقاذ السودان… موارد هائلة.. واستيراد لا يتوقف.. وجامعات تنتظر الإجابة؟!!

بدايةً، نحيّي وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ولا نغمطها حقها في الجهود التي بذلتها من أجل انتظام الدراسة في الجامعات والمعاهد العليا، رغم ظروف الحرب والتحديات التي تواجه البلاد. وهو جهد يستحق الإشادة.

 

لكن الإشادة لا تمنع المساءلة، والشكر لا يعفينا من طرح الأسئلة الصعبة.

 

إذا كان انتظام الدراسة إنجازاً يستحق التقدير، فأين الإنجاز الذي ينتظره المواطن من شق البحث العلمي في اسم الوزارة؟

 

منذ استقلال السودان، ونحن ننتج المواد الخام ونصدرها، ثم نستوردها أو نستورد منتجاتها المصنعة بأضعاف قيمتها. نزرع ولا نصنع بما يكفي، ونستخرج الثروات ولا نستثمر كامل قيمتها، ونمتلك الموارد ولا نحسن توظيف المعرفة لتحويلها إلى قوة اقتصادية.

 

فهل هذه مشكلة موارد؟ أم مشكلة إدارة وتخطيط وبحث علمي غائب عن أولويات الإنتاج؟

 

القمح.. سؤال بمليارات الدولارات!

 

ما زلنا نستورد القمح، ونستنزف العملات الأجنبية لتوفير سلعة تمس حياة كل مواطن، بينما يمتلك السودان أراضي زراعية واسعة وإمكانات كبيرة للتوسع في إنتاجه.

 

وهنا نضع السؤال أمام الجامعات ومراكز البحوث الزراعية: أين برامج استنباط أصناف القمح عالية الإنتاجية، الملائمة لمناخ السودان، والمقاومة للأمراض، والمناسبة لصناعة الدقيق والخبز؟

 

لماذا لا يكون لدينا برنامج وطني متكامل يجمع الباحثين والمزارعين والمطاحن، ويعمل على تطوير البذور وتحسين الإنتاجية والجودة وخفض تكلفة الفدان؟

 

إن الحديث عن زراعة مئات الآلاف من الأفدنة لا يكفي وحده. المطلوب أن نعرف ماذا سنزرع، وبأي بذور، وبأي تكلفة، وما حجم الإنتاج المتوقع، وكيف نضمن تسويقه والاستفادة منه.

 

كم مليار دولار كان يمكن أن نوفرها لو نجح البحث العلمي في تقليص فاتورة استيراد القمح؟

 

ومن المسؤول عن تحويل هذه الحاجة الوطنية إلى برنامج بحثي واضح الأهداف والنتائج؟

 

الصمغ العربي.. لماذا نبيع الثروة ونترك القيمة المضافة للآخرين؟

 

يمتلك السودان ميزة تنافسية كبيرة في إنتاج الصمغ العربي، لكن التحدي الحقيقي ليس في الإنتاج وحده، بل في التصنيع والتطوير وامتلاك التقنيات التي ترفع قيمة المنتج.

 

الصمغ العربي يدخل في صناعات غذائية ودوائية وغيرها، وتزداد قيمته الاقتصادية كلما تطورت عمليات المعالجة والتصنيع وارتفعت جودة المنتجات النهائية.

 

فأين خطط الجامعات ومراكز البحوث لتطوير هذه الصناعة؟ وأين الشراكات التي تنقل نتائج الأبحاث إلى المصانع والأسواق؟

 

لماذا لا نضع هدفاً وطنياً لزيادة نسبة الصمغ العربي المصنع محلياً، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المادة الخام؟

 

إن استمرار تصدير الثروات دون التوسع في تصنيعها يعني أننا نمنح الآخرين فرص العمل والأرباح والتكنولوجيا، ثم نعود إليهم مشترين لمنتجات كان بإمكاننا إنتاج جانب معتبر منها داخل السودان.

 

متى نخرج من عقلية تصدير المواد الخام إلى عقلية تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة؟

 

الشمس والبيوغاز.. لماذا نستورد الطاقة ونترك مواردها؟

 

السودان بلد الشمس، ومع ذلك ما زلنا نعاني أزمات الطاقة والوقود، وندفع من مواردنا الشحيحة فاتورة استيراد تثقل كاهل الاقتصاد.

 

أين الأبحاث التطبيقية التي تستهدف تطوير استخدام الطاقة الشمسية في الزراعة والري والصناعة وضخ المياه؟

 

وأين البرامج التي تدرس حلول تخزين الكهرباء، وتحسين كفاءة الأنظمة الشمسية، وخفض تكلفتها لتصبح في متناول المزارعين وأصحاب المشروعات الصغيرة؟

 

ثم ماذا عن البيوغاز؟

 

لدينا مخلفات زراعية وحيوانية يمكن تحويلها، بتقنيات مناسبة، إلى مصدر للطاقة، مع الاستفادة من المخلفات المتبقية في إنتاج الأسمدة العضوية.

 

أليست هذه فرصة لربط البحث العلمي بقضايا الريف، وتوفير الطاقة، وتحسين إدارة المخلفات، وخفض تكلفة الإنتاج الزراعي؟

 

وماذا يمنع الجامعات من تنفيذ مشروعات تجريبية في القرى والمزارع، ثم تقييم نتائجها وتوسيع التجارب الناجحة؟

 

نحن لا نطالب باختراع جديد في كل مجال، بل بتوطين المعرفة المتاحة، وتطويرها بما يناسب ظروفنا، والاستفادة من خبرات الدول التي سبقتنا.

 

السماد.. ثروة مدفونة في مخلفاتنا!

 

يعاني المزارع من ارتفاع تكلفة المدخلات، بينما يستورد السودان الأسمدة ويحتاج إلى توفير العملات الأجنبية لشرائها.

 

وفي المقابل، تتوافر لدينا مخلفات زراعية وحيوانية يمكن الاستفادة منها في إنتاج الأسمدة العضوية، كما أن تطوير صناعة الأسمدة محلياً يحتاج إلى دراسات جدوى وأبحاث وتقنيات مناسبة.

 

فأين دور كليات الزراعة والعلوم والهندسة في تطوير هذه الحلول؟

 

وأين البرامج المشتركة مع القطاع الخاص لإنشاء وحدات إنتاج تجريبية، وقياس كفاءتها الاقتصادية، وتحديد فرص التوسع فيها؟

 

إن تحويل المخلفات إلى منتجات نافعة ليس مجرد قضية بيئية، بل فرصة اقتصادية لتقليل الهدر، وخفض تكلفة الإنتاج، وخلق وظائف جديدة.

 

وزارة بلا مؤشرات.. وبحوث بلا أثر!

 

هنا نصل إلى جوهر القضية.

 

لا نريد من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تكتفي بإحصاء الجامعات والكليات والطلاب والدرجات العلمية، ولا أن يكون نجاحها مقصوراً على انتظام الدراسة ومنح الشهادات.

 

نريد أن نعرف ماذا أنتج البحث العلمي من حلول لمشكلات السودان؟

 

كم بحثاً تحول إلى مشروع إنتاجي ناجح؟ وكم تقنية جرى توطينها؟ وكم تكلفة إنتاج أمكن خفضها؟ وكم منتجاً مستورداً أمكن إحلال منتج محلي مكانه؟ وكم فرصة عمل نشأت نتيجة شراكة بين الجامعات والقطاع الخاص؟

 

هذه ليست أسئلة تعجيزية، وإنما أسئلة مشروعة عن العائد الاقتصادي والاجتماعي للاستثمار في التعليم والبحث العلمي.

 

ولا يعني ذلك التقليل من قيمة البحوث الأساسية أو العلوم الإنسانية، بل التأكيد على ضرورة أن يجد البحث التطبيقي نصيبه من الأولويات الوطنية، خصوصاً في بلد يخوض معركة البقاء الاقتصادي وإعادة الإعمار.

 

نريد من الوزارة كشفاً بأولوياتها البحثية، ومشروعاتها الممولة، ونتائجها القابلة للقياس، وخطتها لربط الجامعات بالإنتاج.

 

ونريد أن نعرف حجم التمويل المخصص للبحث العلمي، وكيف يوزع، وما معايير اختيار المشروعات، وكيف تقاس نتائجها، وما مصير الأبحاث التي لا تجد طريقها إلى التطبيق.

 

فالدول لا تنهض بمجرد امتلاك الجامعات، وإنما بما تنتجه هذه الجامعات من معرفة، وبقدرتها على تحويل المعرفة إلى تنمية.

 

السودان لا تنقصه الموارد.. بل يحتاج إلى استثمار العقول!

 

تخيلوا لو وجهنا البحث العلمي إلى تطوير القمح، وتصنيع الصمغ العربي، واستغلال الطاقة الشمسية، وإنتاج البيوغاز، وتطوير الأسمدة، وتصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية.

 

كم يمكن أن نوفر من العملات الأجنبية؟ وكم مصنعاً يمكن أن نقيم؟ وكم وظيفة يمكن أن نوفر للشباب؟ وكيف سينعكس ذلك على تكلفة الإنتاج وأسعار السلع وأعباء المعيشة؟

 

إن البحث العلمي ليس ترفاً أكاديمياً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، بل هو أحد أسلحة معركة التعافي الاقتصادي وإعادة بناء السودان.

 

ولا نريد أن تتحول الجامعات إلى مؤسسات معزولة عن واقع الناس، بينما يعاني المزارع من ارتفاع تكلفة الإنتاج، ويعاني المصنع من نقص الطاقة، ويعاني المواطن من الغلاء، وتستنزف الواردات ما تبقى من العملات الأجنبية.

 

لقد آن الأوان لأن تتحول الجامعات إلى شركاء حقيقيين في معركة الإنتاج، وأن تتعامل الوزارة مع البحث العلمي بوصفه استثماراً استراتيجياً في مستقبل البلاد.

 

والسؤال الأخير الذي نضعه أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي: ما الذي يمنع إطلاق برنامج وطني عاجل، بأهداف محددة وتمويل معلوم وجدول زمني واضح، لتسخير البحث العلمي لخدمة الإنتاج والإحلال محل الواردات؟

 

وإذا كانت الحرب قد دمرت المصانع والبنية التحتية وأضعفت الاقتصاد، فإنها يجب ألا تدمر قدرتنا على التفكير والتخطيط والابتكار.

 

نريد بحثاً علمياً يراه المواطن في رغيف الخبز، وفي فاتورة الكهرباء، وفي تكلفة الدواء، وفي سعر السماد، وفي فرص العمل، وفي قيمة صادرات السودان.

 

فإلى متى نظل نبيع المواد الخام، ونستورد المنتجات المصنعة، ونترك عقولنا في الجامعات دون أن نستثمر كامل طاقتها في بناء الوطن؟

 

أين أنتم يا جماعة البحث العلمي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى