التكامل بين المملكة العربية السعودية ومصر والسودان… رؤية عربية لبناء المستقبل!!

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس
سلسلة: لماذا مبادرة التكامل بين شعوب وادي النيل والمملكة العربية السعودية؟
مقدمة الكتاب: من وحدة الجوار إلى وحدة المصير
الحمد لله الذي جعل اختلاف الألسنة والألوان آيةً من آيات قدرته، وجعل التعارف بين الشعوب سبيلًا إلى العمران، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي أرسى في الناس معاني الأخوة والرحمة والتعاون، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد؛
فإن الأمم لا تبلغ مجدها بكثرة ما تملك من الثروات، ولا بما تحت أيديها من الأرض والماء والذهب والنفط، وإنما تبلغ مجدها حين تعرف كيف تجمع قواها، وتنسق مواردها، وتحوّل اختلاف إمكاناتها إلى وحدة نافعة، وتحوّل الجوار إلى شراكة، والتاريخ إلى مستقبل، والآمال إلى مؤسسات ومشروعات وحقائق.
وهذا الكتاب ليس حديثًا عابرًا عن حلم جميل، ولا أمنية معلقة في فضاء العاطفة، بل هو دعوة إلى النظر في واقعنا بعين العقل، وإلى استنهاض ما أودع الله في بلادنا من أسباب القوة، وإلى بناء رؤية مشتركة بين المملكة العربية السعودية ومصر والسودان، تجمع بين وحدة اللغة، ورابطة الدين، ووشائج الأخوة، وحرمة الجوار، وتشابك المصالح، ووحدة المصير.
لقد أثبت التاريخ الحديث أن الأمم التي أحسنت جمع قواها استطاعت أن تنتقل من الضعف إلى القوة، ومن التفرق إلى الوحدة، ومن استهلاك الموارد إلى صناعة المعرفة والتقنية والقرار.
فقد نشأت الولايات المتحدة الأمريكية من اتحاد ولايات متباعدة، مختلفة البيئات والموارد، ثم أدركت أن قوتها لا تكون في انفراد كل ولاية بقدراتها، بل في اجتماعها ضمن دولة اتحادية واسعة، تتكامل فيها الأسواق، وتتحد فيها المؤسسات، وتتعاون فيها الجامعات ومراكز البحث، وتتشابك فيها الصناعة والزراعة والمال والتقنية. وبمرور الزمن تحولت تلك الوحدة إلى قوة اقتصادية وعلمية وعسكرية وتقنية، حتى غدت من أكثر الأمم تأثيرًا في مسار العالم.
ولم يكن الاتحاد الأوروبي أقل دلالة على قدرة الشعوب على تجاوز مرارات التاريخ. فقد خرجت دوله من حروب مدمرة، تركت وراءها ملايين الضحايا ومدنًا مهدمة واقتصادات منهكة، ثم أدركت أن استمرار التنافس العدائي لن يورثها إلا مزيدًا من الضعف، وأن المستقبل لا يُبنى بالثأر، بل بالتعاون. فبدأت بتوحيد المصالح الاقتصادية، وتنسيق السياسات، وتسهيل حركة الناس والسلع ورؤوس الأموال، ثم تطورت التجربة حتى أصبحت نموذجًا عالميًا في التكامل الاقتصادي والمؤسسي والعلمي والتقني.
وليس المقصود من استحضار تجربة الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي تقليدها تقليدًا أعمى، فلكل أمة تاريخها وخصوصيتها، وإنما المقصود أن نقرأ في تجارب الآخرين سنن النجاح: أن الوحدة المنظمة أقوى من التفرق، وأن التكامل الواعي أقدر على حماية المصالح، وأن العلم والمؤسسات والتخطيط الطويل هي الجسور التي تعبر عليها الأمم من واقعها إلى مستقبلها.
فإذا كانت شعوب متباعدة في اللغة والتاريخ والبيئة قد استطاعت أن تتعاون، فما بالنا نحن الذين تجمعنا لغة واحدة، ودين واحد، وتاريخ متداخل، ودماء متقاربة، ووشائج اجتماعية عميقة، وجوار جغرافي، ومصالح اقتصادية متشابكة؟
إن المملكة العربية السعودية ومصر والسودان ليست ثلاث دول متجاورة فحسب، بل هي فضاء حضاري متصل، تتعانق فيه ضفتا البحر الأحمر، وتلتقي فيه طرق التجارة، وتتداخل فيه حركة البشر، وتتقارب فيه العادات، وتتصل فيه المصالح. وهي دول تجمعها منابع النيل ومصباته، وسواحل البحر الأحمر، وطرق الحج والتجارة، وامتداد الصحراء، وعمق التاريخ، وثراء الجغرافيا.
وفي السودان أراضٍ زراعية شاسعة، ومراعٍ واسعة، وثروة حيوانية كبيرة، ومياه وأمطار، وموارد معدنية، وموقع يربط بين قلب إفريقيا والعالم العربي. وفي مصر خبرة عريقة في الزراعة والصناعة والتعليم والبحث العلمي، وثقل سكاني وحضاري، وشبكات نقل وموانئ ومؤسسات علمية، وطاقات بشرية متراكمة عبر آلاف السنين. وفي المملكة العربية السعودية ثروة نفطية ومالية، وقدرات استثمارية واسعة، وبنية تحتية متقدمة، وموانئ ومناطق لوجستية، وتجربة متنامية في التقنية والصناعة وإدارة المشروعات الكبرى.
وفي باطن الأرض ذهب ويورانيوم ومعادن، وفوقها أراضٍ قابلة للزراعة، وفي سمائها أمطار ومناخات متنوعة، وفي شعوبها علماء ومهندسون وأطباء ومفكرون وحرفيون وشباب يتطلعون إلى مستقبل أرحب. وعلى سواحلها البحر الأحمر، ذلك الممر البحري العظيم الذي يمكن أن يكون جسرًا للتجارة والصناعة والسياحة والطاقة، لا مجرد حد فاصل بين الدول.
إن اجتماع هذه الإمكانات لا ينبغي أن يبقى في صورة قوائم متفرقة، أو أرقام مبعثرة، أو أحلام مؤجلة، بل يجب أن يتحول إلى رؤية عملية، ومؤسسات مشتركة، ومشروعات عابرة للحدود، وشراكات تحفظ سيادة الدول وتحقق مصالح الشعوب.
فالتكامل المنشود ليس ذوبانًا لدولة في أخرى، ولا انتقاصًا من استقلال أي بلد، ولا إلغاءً للخصوصيات الوطنية، بل هو تعاون راشد يجعل لكل دولة دورها، ولكل شعب نصيبه، ولكل مورد مكانه في منظومة أوسع من المنفعة المشتركة.
إننا نحتاج إلى تكامل في الأمن الغذائي، حتى تتحول الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والمياه والخبرات إلى غذاء آمن ومستدام. ونحتاج إلى تكامل في الطاقة، حتى تتصل موارد النفط والغاز والطاقة الشمسية والرياح بشبكات إنتاج ونقل وصناعة. ونحتاج إلى تكامل في النقل واللوجستيات، حتى يصبح البحر الأحمر طريقًا للتجارة والتنمية. ونحتاج إلى تكامل في التعليم والبحث العلمي، حتى لا تبقى جامعاتنا جزرًا منفصلة، بل تصبح شبكة معرفية تنتج الحلول وتخدم المجتمعات.
ونحتاج إلى تكامل صناعي، يربط المواد الخام بالمصانع، والمنتج بالأسواق، والمهارة بالاستثمار. ونحتاج إلى تكامل سياحي وثقافي، يعرّف الشعوب بتاريخها المشترك، ويعيد وصل ما قطعته الحدود السياسية من أواصر القربى والتعارف.
إن هذا الكتاب يأتي في سياق سلسلة من المقالات التي تحاول أن تفتح أبواب التفكير في هذه المبادرة، وأن تضع أمام القارئ جملة من القضايا التي لا يمكن فصلها عن مشروع التكامل: المياه، والزراعة، والغذاء، والطاقة، والنقل، والتعليم، والصحة، والصناعة، والتقنية، والبيئة، والشباب، والمرأة، والحوكمة، والاستثمار، والأمن، والثقافة.
وهو لا يدعي امتلاك الإجابة النهائية، ولا يزعم أن الطريق مفروش باليسر، فكل مشروع عظيم تحيط به العقبات، وتحتاج خطواته إلى صبر وحكمة وتدرج. غير أن أعظم الأخطار ليست في صعوبة الطريق، بل في أن نرضى بالتفرق ونحن نملك أسباب الاجتماع، أو أن نترك مواردنا متجاورة دون أن نجعلها متكاملة، أو أن ننتظر الآخرين ليصنعوا مستقبلنا بينما مفاتيح المستقبل بين أيدينا.
إن الأمم لا تُقاس بما ورثته من أمجاد، بل بما تضيفه إلى سجل التاريخ. وليس كافيًا أن نقول إننا أبناء حضارات عظيمة، بل ينبغي أن نثبت أن أبناء تلك الحضارات قادرون على صناعة حضارة جديدة، تجمع بين أصالة القيم وحداثة الوسائل، وبين قوة التراث وجرأة الابتكار، وبين عمق الهوية واتساع الأفق.
ومن هنا فإن مبادرة التكامل بين المملكة العربية السعودية ومصر والسودان ليست مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل هي مشروع إنساني وحضاري واستراتيجي. إنها محاولة لاستعادة معنى الجوار، وإحياء روح التعاون، وبناء فضاء عربي إفريقي متصل، يستطيع أن يحمي مصالحه، ويطوّر موارده، ويمنح أبناءه فرصًا أوسع في العمل والعلم والعيش الكريم.
فإذا صدقت النيات، واستقامت الرؤية، وتوافرت المؤسسات، وأُحسن توزيع الأدوار، فإن ما يبدو اليوم حلمًا بعيدًا يمكن أن يصبح غدًا واقعًا مشهودًا. وما أكثر الأحلام التي غدت حقائق حين وجدت رجالًا يؤمنون بها، ويصبرون عليها، ويحولونها من كلمات إلى خطط، ومن خطط إلى مشروعات، ومن مشروعات إلى نهضة.
وهذه المقالات، بما فيها من أفكار ومقترحات، ليست إلا لبنات أولى في بناء طويل، يحتاج إلى مشاركة الحكومات والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث والمجتمع المدني والشباب والمرأة والمغتربين. فالمشروعات الكبرى لا تنهض بجهد فرد، وإنما تتسع حين تصبح قضية عامة، ووعيًا مشتركًا، وإرادة تتجاوز الأشخاص إلى الأجيال.
ولعل أجمل ما في هذا المشروع أنه لا يبدأ من فراغ؛ فبين شعوبنا تاريخ من التواصل، وطرق من التجارة، ومواسم من الحج، ومصاهرات، ولهجات متقاربة، وذكريات مشتركة، ومصالح لا يمكن فصلها. وما علينا إلا أن نمنح هذا القرب صورته المؤسسية الحديثة، وأن نرتقي به من العاطفة إلى العمل، ومن التمني إلى التخطيط، ومن الخطاب إلى الإنجاز.
خاتمة الكتاب: حين يصبح الحلم طريقًا
إن المبادرات العظيمة تبدأ غالبًا بفكرة يراها البعض بعيدة، ثم تتحول بالإيمان والعمل إلى حقيقة قريبة. وما من نهضة قامت إلا وكان وراءها رجال ونساء آمنوا بأن الواقع ليس قدرًا مغلقًا، وأن المستقبل يمكن أن يُصنع، وأن الأمة التي تعرف مواطن قوتها تستطيع أن تنهض من بين ركام ضعفها.
لقد آن لشعوب المملكة العربية السعودية ومصر والسودان أن تنظر إلى ما بينها لا بوصفه حدودًا تفصل، بل جسورًا تصل؛ وأن ترى في اختلاف الموارد فرصة للتكامل، لا سببًا للتنافس؛ وأن تجعل من البحر الأحمر طريقًا للتواصل، ومن النيل رمزًا للحياة، ومن اللغة والدين والتاريخ أساسًا لشراكة جديدة.
إننا لا ندعو إلى وحدة شعاراتية ترفع الكلمات ثم تترك الواقع على حاله، ولا إلى مشروعات عاطفية تفتقر إلى الدراسة والتمويل والحوكمة، بل ندعو إلى تكامل عملي متدرج، يبدأ بما يمكن إنجازه، ويتوسع بما يثبت نجاحه، ويقوم على المصالح المتبادلة، والشفافية، واحترام السيادة، وحماية حقوق الشعوب.
ندعو إلى أن تتكامل الأرض مع المال، والخبرة مع التقنية، والميناء مع المصنع، والجامعة مع السوق، والمزارع مع المستثمر، والشاب مع فرصة العمل، والقرية مع المدينة، والموارد مع الإدارة الرشيدة.
ندعو إلى أن يصبح السودان سلة غذاء واسعة، ومصر مركزًا للخبرة والتصنيع والمعرفة، والمملكة العربية السعودية قوة استثمارية وتقنية ولوجستية، مع بقاء كل دولة شريكًا كاملًا في مختلف المجالات، لا تابعًا ولا تابعًا له.
ندعو إلى أن تُبنى مشروعات مشتركة في الزراعة والصناعة والطاقة والنقل والتعليم والصحة والسياحة والتقنية، وأن تُفتح أبواب التعاون أمام العقول والكفاءات، وأن تُنشأ مؤسسات قادرة على تحويل الرؤية إلى برامج، والبرامج إلى نتائج، والنتائج إلى حياة أفضل للمواطنين.
إن قيمة هذا المشروع لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المصانع أو طول الطرق، بل بما يتركه في حياة الإنسان: غذاءً أكثر أمنًا، وعملًا أكثر كرامة، وتعليمًا أوسع أفقًا، وصحةً أفضل، وبيئةً أكثر حماية، ومستقبلًا أقل خوفًا وأكثر ثقة.
فالأوطان لا تنهض بالثروات وحدها، وإنما تنهض حين يشعر الإنسان أن ثروات بلاده تعود عليه بالخير، وأن علمه يجد مكانه، وأن جهده يُقدّر، وأن أبناءه يملكون فرصة عادلة في بناء حياتهم.
ولذلك فإن التكامل الحقيقي هو الذي يجعل المواطن يرى أثره في بيته وحقله ومصنعه ومدرسته ومستشفاه وطريقه وسوقه، لا أن يبقى حديثًا في المؤتمرات والوثائق.
يا أبناء وادي النيل والمملكة العربية السعودية، إن بين أيديكم من أسباب القوة ما يكفي لصناعة مستقبل مختلف. فلا تجعلوا اختلاف الظروف حجة للتباعد، ولا تجعلوا صعوبة البداية سببًا لترك الطريق. إن النهر العظيم يبدأ قطرة، والبناء الشامخ يبدأ حجرًا، والنهضة الكبرى تبدأ بفكرة صادقة وإرادة لا تنكسر.
ولعل الأجيال القادمة تنظر إلى زماننا فتقول: هنا بدأ الوعي، وهنا اجتمعت الإرادة، وهنا أدركت الشعوب أن ما يجمعها أعظم مما يفرقها، وأن مستقبلها لا يُستورد، بل يُصنع بأيديها.
فليكن هذا الكتاب دعوة إلى التفكير، وبداية لحوار واسع، وبذرة لمشروع أكبر، ورسالة إلى كل مسؤول ومستثمر وعالم ومزارع وشاب وامرأة ومؤسسة: إن التكامل ليس حلمًا مستحيلًا، وإنما هو واجب تاريخي، وفرصة حضارية، ومسؤولية تجاه الأجيال القادمة.
وإذا صدقت العزائم، وتعاونت القلوب والعقول، فإن المملكة العربية السعودية ومصر والسودان قادرة على أن تصنع نموذجًا فريدًا في التكامل العربي الإفريقي؛ نموذجًا يحفظ الخصوصيات، ويجمع الطاقات، ويصون الموارد، ويصنع الازدهار، ويمنح شعوبه مكانة تليق بتاريخها وإمكاناتها.
فليكن طريقنا من التفرق إلى التعاون، ومن الاعتماد إلى الإنتاج، ومن استنزاف الموارد إلى استثمارها، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
للتواصل:
abuobidaabass949@gmail.com
00201147373693



