مقالات الظهيرة

(شـــوكة حـــوت)ياسر محمدمحمود البشر يكتب… بين صمت الحيتان وضجيج الدجـــــاج!! 

*تأخذنا الحياة أحياناً فى رحلة تأمل طويلة نكتشف من خلالها حقائق مذهلة تفتح أبواباً واسعة للفهم والتحليل فبين الكائنات الحية نرى تناقضاً عجيباً ومدهشاً في طبيعة الأداء وطريقة إعلان الوجود وكأن الطبيعة أرادت أن تقدم لنا درساً عملياً بليغاً في فلسفة العمل والإنتاج ومن أغرب ما تودعنا به

الطبيعة من عجائب أن أنثى الحوت ذلك الكائن الجبار الذي يتربع على عرش المحيطات تضع ملايين من البيض فى أعماق البحار فى صمت مطبق من دون أن يشعر بوجودها أحد أو يصدر عنها صخب ينم عن حجم إنجازها العظيم*.

 

*وفى المقابل تقف الدجاجة في الساحة المجاورة لتقدم مفارقة صارخة فهي لا تضع سوى بيضة واحدة يتيمة ولكنهـا تملأ الدنيا ضجيجا وصخبا وعجيناً صوتياً يعلم به القاصي والدانى وكأنها فتحت أبواب التاريخ وأنجبت معجزة القرن وهذا التباين المثير بين صمت الإنجاز الهائل وصخب العمل المحدود ليس مجرد ملاحظة عابرة في عالم الحيوان بل هو مرآة دقيقة تعكس طبائع البشر وتكشف بوضوح عن نماذج متكررة نصادفها يومياً في ميادين الحياة العامة والمؤسسات المختلفة*.

 

*ففى واقعنا المعاصر يعيش بيننا صنف من المسؤولين ينسخ تماماً سلوك الدجاجة تراه يقدم عملاً هزيلاً أو إنجازاً ضئيلاً لا يكاد يُذكر لكنه يحيل محيطه إلى مهرجان صاخب من الهالة الإعلامية والجعجعة البهرجية التي توقظ النائمين وتصم الآذان هؤلاء المسؤولون يعتمدون استراتيجية الصوت العالى لتعويض الفراغ المؤسسى وضعف الأداء الحقيقى فكلما قلّت الإنتاجية وانعدمت الرؤية ارتفعت نبرة الخطب الرنانة وتكاثرت المؤتمرات الصحفية الوهمية التى لا تسمن ولا تغنى من جوع*.

 

*وعلى النقيض تماماً يختفي أولئك المسؤولون الحقيقيون الذين يشبهون أنثى الحوت جنود خفاء يعملون بصمت ويضعون بصماتهم الجبارة في بنية المجتمع والدولة دون حب لإبراز الذات أو البحث عن زيف الألقاب وبريق الكاميرات والمجتمعات الواعية لا تخدعها جلبة الصخب والصوت العالي طويلاً فالتاريخ يغربل الأقوال ويترك الأفعال وحدها راسخة في الذاكرة والضجيج مهما بلغت حدته ينتهي بمجرد أن يسود الهدوء بينما يبقى الأثر الصامت كالجبال الشامخة*.

 

نـــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*لذلك فإننا اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة ضبط بوصلة تقييم الكفاءات فى الإدارة العامة عبر الالتفات إلى من يعملون فى الظل بصمت وإخلاص ورفع الغطاء عن أولئك الذين يحترفون استهلاك الأوقات والمقدرات فى الضجيج الفارغ*.

 

ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة

 

*وفى نهاية الأمر تظل الحقيقة الناصعة أن الأوطان تبنى بسواعد الحيتان الصامتة لا بصياح الدجاج ويبقى ((الأمل)) مرجواً فى أن يأتى اليوم الذى يُكافأ فيه الصامت المنتج ويُحال فيه الصاخب العاطل إلى استراحة طويلة من الضجيج*.

 

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى