(اذان صاغية) دكتور عامر ابراهيم محمد يكتب… فكرة الانتخابات!!

علي ماذا تنعقد فكرة الانتخابات علي المبادئ الأخلاقية للحكم ام علي الخدمات ومساعدة الناس وهل مايقدمة المرشح يعتبر رشوة للناخب ام هو حق مستحق للناخب والبرنامج الانتخابي اصلا يقدم من شقين مبادئ أساسية وأخلاقية والشق الآخر خدمات مثل التعليم والصحة والطرق والكهرباء ومنافع أخري أليس الناخب مبتذ والمرشح راشي
فكرة الانتخابات لا تنعقد على واحد منهما وحده، بل على الاثنين معاً، لكن لكل واحد وظيفة مختلفة.
1. على ماذا تنعقد فكرة الانتخابات أصلاً؟
في النظرية الديمقراطية الانتخابات هي عقد وكالة.
• الشق الأخلاقي والمبدئي هو الأساس: أنت لا تختار من يبلط لك الشارع، أنت تختار من يحكمك. المبادئ هي: من يملك السلطة؟ كيف تُحاسب السلطة؟ هل هناك سيادة قانون، حرية تعبير، فصل سلطات، تداول سلمي، عدم فساد؟ هذا هو جوهر الانتخاب. • الشق الخدمي هو النتيجة: الخدمات – تعليم، صحة، طرق، كهرباء – هي ترجمة عملية لتلك المبادئ. حكومة بلا مبادئ أخلاقية قد تقدم خدمة اليوم وتسرق غداً. وحكومة بمبادئ بلا قدرة على تقديم خدمات تكون حكومة فاشلة.
فالمفكرون يقسمونها هكذا:
المدرسة المثالية تقول: انتخب صاحب المبدأ، لأن المبدأ يضمن الخدمة العادلة للجميع.
المدرسة البراغماتية تقول: الناخب العادي لا يعيش بالمبادئ، يعيش بالخدمات، لذلك يقيم المرشح بما سينجزه.
الديمقراطيات المستقرة تجمعهما في البرنامج الانتخابي.
2. البرنامج الانتخابي بشقيه الذي ذكرته صحيح
أي برنامج محترم فيه:
أ. شق قيمي: رؤيته للدستور، للعدالة، لمكافحة الفساد، للحريات، لطريقة إدارة المال العام.
ب. شق مطلبي خدمي: ماذا سيفعل في الصحة والتعليم والطرق والكهرباء والوظائف، وكيف سيمول ذلك من ميزانية الدولة.
الخلط يبدأ عندما يتحول الشق الثاني من “خطة عامة ممولة من الدولة” إلى “هدية شخصية من المرشح”.
3. متى يكون ما يقدمه المرشح رشوة ومتى يكون حقاً مستحقاً؟
الفيصل ليس في ما يُقدم، بل في التوقيت والمصدر والشرط.
يعتبر حق مستحق إذا كان:
1. عاماً وليس خاصاً: بناء مدرسة، مستشفى، طريق للجميع. 2. بعد الانتخاب ومن مال الدولة: ينفذ عبر الموازنة العامة والبرلمان، وليس من جيب المرشح الخاص. 3. بلا شرط تصويت: هو وعد سياسي يحاسب عليه لاحقاً، وليس مقايضة “خذ هذا وصوت لي”.
ويعتبر رشوة انتخابية إذا كان:
1. خاصاً ومباشراً: ظرف مال، شنطة مواد غذائية، دفع فاتورة، توظيف قريب، قبل الانتخابات بأيام. 2. من مال المرشح الخاص: ليخلق علاقة دائن ومدين. 3. مشروطاً بالصوت: “إذا لم تصوت لي سأقطع عنك” أو “خذ هذا مقابل صوتك”. هنا القانون في معظم الدول يعتبره جريمة، ويسمى شراء الأصوات.
الخدمات التي هي أصلاً واجب الدولة – مثل الكهرباء والماء والعلاج – لا يجوز أن تقدم كأنها منة من المرشح. هي حقك كمواطن تدفع ضرائبه.
4. هل الناخب مبتز والمرشح راشي؟
هذه الظاهرة لها اسم في العلوم السياسية: الزبائنية السياسية Clientelism.
تحدث عندما يفقد الناخب الثقة بأن المبادئ ستحقق له حقوقه، فيقول: “بما أن الدولة لن تعطيني حقي إلا عبر وسيط، فلأبتز المرشح وأخذ منه شيئاً ملموساً الآن”.
والمرشح من جانبه يفقد الثقة بأن الناخب سيصوت للمبدأ، فيقول: “لن يصوتوا لي إلا إذا دفعت”.
فيتحول الانتخاب من اختيار لمشروع حكم إلى سوق: الناخب يبيع صوته بأعلى سعر، والمرشح يشتري سلطة ليسترد ثمنها لاحقاً بالفساد. وهنا يدخل الطرفان في دائرة مغلقة:
الناخب الذي يبيع صوته اليوم، لا يستطيع أن يحاسب المرشح غداً لأنه قبض الثمن مقدماً.
والمرشح الذي يشتري صوته اليوم، سيعتبر المنصب استثماراً يجب أن يربح منه، لا أمانة.
الحل ليس أخلاقياً فقط، بل مؤسسي: عندما تكون الخدمات حقاً مضموناً بالقانون بغض النظر عن من فاز، يقل الابتزاز. وعندما تكون الرشوة مجرمة ومكشوفة ويتم تطبيق القانون عليها، يقل الرشو.
باختصار: الانتخابات تنعقد على المبدأ لتحمي الحق، وعلى الخدمة لتثبت أن المبدأ نافع. فإذا تحولت الخدمة إلى عطية شخصية مشروطة بالصوت، خرجت من كونها حقاً إلى كونها رشوة
.مواصلة للنقاش لتأخذ افريقيا مثلا معلوم تماما أن ميزانية الدولة للتحقق اي خدمات بصورة عامة لا يمكنها تحقيق مطالب المواطنين وعلي الرغم من ذلك يطلب الناخب توفير خدمات من المرشح وهو يعلم أن تحقيق تلك المطالب سوف يكون من أموال المرشح الشخصية فيصبح عقد التعاقد الانتخابي خدماتي مقابل الترشيح علي استحياء
صحيح، وهذا هو بالضبط ما يحدث في كثير من الدوائر في أفريقيا، ومنها السودان، وتوصيفك دقيق: “عقد تعاقد انتخابي خدماتي مقابل الترشيح على استحياء”.
الناخب يعلم أن ميزانية الدولة لا تكفي، والمرشح يعلم أنه لا يستطيع أن يعد بميزانية الدولة، فيتفقان ضمنياً على عقد آخر غير مكتوب.
لماذا يحدث هذا؟
1. لأنه عقد عقلاني من الطرفين في ظل دولة ضعيفة
الناخب ليس ساذجاً، هو عقلاني جداً:
الدولة المركزية غائبة، لا توصل ماء ولا تبني فصل دراسي ولا تعالج. الحزب السياسي ليس له برنامج حقيقي قابل للتنفيذ. إذن ما فائدة المبدأ الأخلاقي المجرد؟
فيقول: إذا كان هذا المرشح سيصبح نائباً ويأخذ مرتباً وامتيازات ونفوذاً، فليدفع مقدماً جزءاً من هذا النفوذ الآن: بئر، مولد، تسقيف مدرسة، علاج مريض.
والمرشح أيضاً عقلاني:
هو يعلم أن الناخب لن يصدق وعوده عن إصلاح التعليم القومي، لأن الناخب رأى عشرات النواب قبله ولم يصلحوا شيئاً. فيقول: الطريق الوحيد لإثبات الجدية هو أن أدفع من جيبي الآن.
فهنا تتحول الوظيفة. النائب لم يعد مشرعاً ومراقباً للحكومة، أصبح مقاول خدمات بديل عن الدولة.
2. الفرق بين نموذجين للخدمة
هنا يجب أن نفرق بين نوعين يختلطان في أفريقيا:
أ. خدمة عامة بتمويل شخصي مؤقت: مرشح يبني فصلاً من ماله الخاص لأنه يرى حاجة عاجلة. هذا أخلاقياً مقبول كعمل خيري، لكنه سياسياً خطير، لأنه يؤسس لقاعدة: من لا يملك مالاً لا يمكنه الترشح. فتتحول السياسة من حق للجميع إلى استثمار للأغنياء فقط.
ب. مقايضة صريحة: “أبنوا لكم هذا مقابل أن تنتخبوني”. هذا هو الذي وصفته. هو ليس رشوة بالمعنى القانوني التقليدي – ظرف مقفول – لكنه رشوة بنيوية. لأنه يضع الناخب في موقف الضعيف: يأخذ خدمة كان يجب أن تكون حقاً مجانياً، ويدفع ثمنها بصوته.
3. ما نتيجة هذا العقد؟
النتيجة التي نراها في كل التجارب التي سارت بهذا الطريق:
1. يرتفع سعر الترشح: لا يترشح إلا التاجر أو صاحب النفوذ، ويُقصى صاحب الكفاءة الذي لا يملك مالاً. 2. ينخفض سقف المحاسبة: الناخب الذي أخذ بئراً من المرشح لا يستطيع أن يقول له بعد سنة: لماذا لم تسائل وزير المالية؟ لأنه استلم حصته. 3. تستمر الدولة ضعيفة: لأن النائب بدلاً من أن يضغط لتقوية ميزانية التعليم والصحة، يقول: أنا سأحلها بعلاقاتي ومالي. فتبقى الميزانية ضعيفة كما هي.
ولهذا يسميه الباحثون فخ الخدمات الخاصة: كلما قدم المرشح خدمات من جيبه، قل الضغط الشعبي لإصلاح الدولة، وكلما ضعفت الدولة، زاد احتياج الناس لخدمات المرشح الشخصية.
كيف يُكسر هذا الفخ؟
لا يُكسر بالمواعظ الأخلاقية للناخب، لأن الناخب مضطر. يُكسر بتغيير طبيعة العقد:
أن يتحول سؤال الناخب من: “ماذا ستبني لي أنت؟” إلى “ماذا ستلزم به الدولة لتبني لي؟”
يعني: لا تطلب منه مولداً من جيبه، بل اطلب منه أن يتعهد علناً بنسبة محددة من الميزانية لدائرتك، وآلية مراقبة تنفيذها، وتقديم استجواب إذا لم تنفذ.
هنا يعود المرشح من كونه محسناً إلى كونه وكيلاً عنك أمام الدولة، وهذا هو أصل فكرة الانتخابات.
فما تصفه موجود وحقيقي، وهو ليس فساداً فردياً بقدر ما هو نتيجة طبيعية لانسحاب الدولة. الناخب ليس مبتزاً بطبعه، والمرشح ليس راشياً بطبعه، لكنهما يتصرفان هكذا لأن النظام جعل المقايضة الشخصية هي الطريق الوحيد للحصول على خدمة.



