“شسع نعل كليب”.. من الجاهلية إلى دبلوماسية المواجهة في الأمم المتحدة

الظهيرة – د. ياسر عثمان أبو عمار:
لم تكن قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة معتادة على سماع مفردات من معلقات الجاهلية، حتى جاءت لحظة قلبت قواميس الدبلوماسية الناعمة رأساً على عقب.
عبارة واحدة، بست كلمات فقط، كانت كفيلة بأن تصفع الحضور: “عليكم أن تخسؤوا وتبوؤوا بشِسع نعل كُليب”.
قائلها هو المندوب الدائم للسودان، السفير الحارث إدريس، وموجهة مباشرة إلى مندوب دولة الإمارات. لكن ما قصة هذا الشسع؟
تعود القصة إلى أعماق التاريخ العربي، إلى سيد الحيين كُليب بن ربيعة التغلبي، الرجل الذي كان إذا مرّ بمكان لا يجرؤ أحد أن يمر بعده هيبةً. بمقتله على يد جساس بن مرة، اشتعلت حرب البسوس، أطول حروب العرب، أربعون عاماً من الثأر والدم.
وكان أخوه المهلهل، الزير سالم، لا يرى في الوجود كله ما يعادل قطرة من دم أخيه. وحين جاءه الوسطاء يعرضون الديات والمصالحة، صرخ في وجههم بكلمته الخالدة: “دماءكم لا تساوي شِسع نعل كليب”. والشسع هو سير النعل الجلدي الرقيق، أي أن رباط حذاء كليب أشرف وأغلى منكم جميعاً. وبعد ألف وخمسمائة عام مرت، وعادت العبارة لتسكن أروقة نيويورك.
السفير الحارث إدريس لم يكن يلقي مجرد رد بروتوكولي على اتهامات مندوب الإمارات حول الحرب في السودان. كان يبني مرافعة كاملة مدعومة بوثائق قال إن الخرطوم قدمتها للأمم المتحدة تثبت 86 رحلة جوية مشبوهة بين الإمارات ومطار أم جرس التشادي، وشبكات لنقل السلاح والمرتزقة لقوات الدعم السريع.
وبعد أن فند رواية استخدام الجيش للسلاح الكيميائي، اختار أن يختم لا بلغة القانون الدولي، بل بلغة الكرامة العربية.
حين قال “اخسؤوا بشسع نعل كليب” فهو لم يشتم، بل صفع. صفع دبلوماسياً بثقله التاريخي، وأسقط قيمة الخصم إلى ما دون النعل، وأعلن أن سيادة السودان ودماء أهله لا تقبل المساومة ولا تقاس بموازين المصالح.
لقد كان الشسع هذه المرة ليس من جلد، بل من كرامة شعب بأكمله، هُوي به على وجه التدخل الخارجي أمام العالم أجمع.
والسودان الذي يخوض معركة الدفاع عن سيادته ووجوده، ويخوضها عبر قواته المسلحة، لا يواجه التحدي في ميادين القتال وحدها، بل يخوض معركته أيضاً في ساحات الدبلوماسية الدولية، فكما صمد في مواجهة ما يراه استهدافاً خارجياً، استطاع أن ينقل معركته إلى أروقة الأمم المتحدة، حيث تُخاض المواجهات بالكلمة والحجة والوثيقة.
وفي تلك القاعة الدولية، لم يكن “شِسع نعل كليب” مجرد استدعاء لبيت من ذاكرة الجاهلية، بل تعبيراً عن ذاكرة شعب يرى أن كرامته وسيادته ليستا موضوعاً للمساومة.
وبين بندقية تدافع عن الأرض وكلمة تدافع عن الرواية، يواصل السودان معركته على جبهتين، جبهة الميدان، وجبهة الدبلوماسية، مؤكداً أن الدول لا تنتصر فقط حين تحمي أرضها، بل أيضاً حين تملك القدرة على الدفاع عن قضيتها أمام العالم.
وكما ثبت الشهيد عثمان مكاوي وصحبه الميامين في جبهات القتال، منهم من قضى نحبه ببسالة وفدائية، ومنهم من ينتظر بعزة وكرامة، يرجو نصر الله الموعود.
وغداً يتحقق، نصراً موعوداً، فحين يثبت السودان في الدفاع عن أرضه وكرامته، ويواصل معركته في الميدان وفي ساحات الدبلوماسية، يبقى اليقين بالله والثبات على الحق زاداً في طريق النصر، ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، ولو بعد حين.



