الحوار السوداني – السوداني… الضمانات والمخاوف: كيف نمنع تكرار سيناريو إنهيار الاتفاقات السابقة؟؟؟

قراءات إستراتيجية
سلسلة مقالات :تشريح لحظة الوطن
المقال الخامس والأخير:
*بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولى*
*المحلل والاكاديمى والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات*
*سبتمبر 2026م*
______________
إذا كانت المشكلة في السودان هي أننا بارعون في التوقيع، وفاشلون في التنفيذ، فإن السؤال الذي يجب أن يختم به هذا الحوار السوداني-السوداني هو سؤال واحد: ما الذي سيجعل هذه المرة مختلفة؟؟؟.
فالتاريخ يحاصرنا بخمسة اتفاقات كبرى انهارت، ليس لأنها كانت سيئة، بل لأنها كانت بلا أسنان. ولذلك فإن أي حديث عن مستقبل دون الإجابة على سؤال “الضمانات والمخاوف” هو حديث عبثي.
لنكن صرحاء: مخاوف السودانيين مشروعة. الخوف من الغدر، الخوف من الإقصاء، الخوف من أن يكون الاتفاق مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس ثم العودة للحرب بأدوات أشد. هذه المخاوف ليست ناتجة عن تشاؤم، بل ناتجة عن ذاكرة. وذاكرة الشعوب لا تمحى بالبيانات.
لذلك فإن أي اتفاق قادم يجب أن يبنى على ثلاثة أنواع من الضمانات، متداخلة كأضلاع مثلث. إذا سقط ضلع، سقط المثلث كله.
الضلع الأول: هو *الضمان الداخلي*. وهو الأهم والأصعب. ويعني ببساطة: آليات تنفيذ ملزمة داخل الدولة. لا يكفي أن نوقع على ورقة. يجب أن تكون هناك جداول زمنية، ومؤشرات قياس، وعقوبات على المماطل. ويجب أن تكون هناك حكومة إنتقالية محدودة المهام، لا تملك رفاهية المناورة، ومجلس تشريعي يراقب، ومحكمة دستورية تفصل في النزاعات. الضمان الداخلي يعني أن نحول الإتفاق من نص أدبي إلى عقد إداري.
الضلع الثاني: هو *الضمان الإقليمي*. السودان لا يعيش في جزيرة. دول الجوار والفاعلون الإقليميون إما أن يكونوا جزءاً من الحل، أو سيكونون جزءاً من المشكلة. لذلك نحتاج إلى آلية إقليمية برعاية الإتحاد الأفريقي والإيقاد، مهمتها ليست التوسط فقط، بل المتابعة والضغط. ضمان إقليمي يعني أن أي طرف ينقض الاتفاق سيدفع ثمناً سياسياً واقتصادياً فورياً. لا مزيد من الحياد السلبي.
الضلع الثالث: هو *الضمان الدولي*. وهو الأخطر لأنه الأكثر هشاشة. لكننا نحتاجه. نحتاجه في ملف رفع العقوبات، وفي ملف إعادة الإعمار، وفي ملف حماية المدنيين. لكن بشرط: أن يكون الضمان الدولي داعماً للإرادة السودانية، لا وصياً عليها. نريده صندوقاً للتنمية، لا غرفة تحكم.
لكن كل هذه الضمانات ستنهار إذا لم نواجه المخاوف بجرأة. وأول المخاوف هو “مخاوف المظلوم”. كيف نقنع الضحية بأن تجلس مع الجلاد؟؟؟ الإجابة ليست في النسيان، بل في العدالة. عدالة إنتقالية وأضحة، لا انتقامية ولا تصالحية ساذجة. عدالة تعترف، وتجبر الضرر، وتبدأ صفحة جديدة.
والخوف الثاني: هو “خوف الخاسر”. كل طرف يخشى أن يكون هو الخاسر في التسوية. والحل هو في هندسة “الخسارة المقبولة” و”الربح المشترك”. لا أحد سينتصر مائة بالمائة، ولا أحد سيهزم مائة بالمائة. هذه هي طبيعة الحوار.
والخوف الثالث: هو “خوف الشعب”. خوف المواطن العادي من أن يتم الإتفاق فوق رأسه. والحل هو في الشفافية. أن يعرف الناس ما الذي يتم التفاوض عليه، وأن يكون لهم صوت في لحظة التصديق.
ختاماً، دعونا نقولها بوضوح: الضمان الحقيقى ليس في التوقيعات ولا في الشهود. الضمان الحقي هو في “الإرادة”. إرادة أن نعيش معاً رغم إختلافنا. إرادة أن نضع الوطن فوق الذات. إرادة أن نعترف بأن البديل عن الإتفاق هو الإنهيار التام للدولة السودانية .
لقد إنتهينا من تشريح اللحظة. عرفنا لماذا الآن، ومن هم الفاعلون، وماذا نناقش، وكيف نضمن. لم يبق إلا شيء واحد: القرار. قرار الشجاعة. فهل نملكها؟؟؟
التاريخ لا ينتظر.
“والله ولى ذلك وهو يهدى إلى سواء السبيل”



