مقالات الظهيرة

صلة القلب… مقابل صلة الرحم!!

بقلم / علاء الدين محمد أبكر

 

قالت العرب قديماً حكمتها الخالدة: “رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمك”، جملة من أربع كلمات لكنها تختصر فلسفة الحياة كلها في العلاقات. هي إشارة عميقة وحكيمة إلى أن الروابط الإنسانية لا تقاس بالدم وحده، وأن هناك أخوة تلدها المواقف، وتلدها المحبة الصادقة، ويلدها القلب قبل أن يلدها الرحم.

 

وقد اختار العرب الرحم ليكون رمزاً للصلة، فقالوا “فلان تربطني به صلة رحم”. والرحم هو موضع احتضان الجنين، هو أول بيت سكناه جميعاً، هو الدفء والأمان الأول، هو الرابطة البيولوجية المقدسة التي تجمع الإخوة من أم واحدة. تقديساً لهذا المكان اختاروه رمزاً للقرابة.

 

لكني اليوم، وبعد تجارب هذه الحياة وتقلباتها، سأختار عضواً آخر لأقيس به صدق العلاقات ومتانتها، سأختار القلب.

 

فهناك صِلات يخلقها التواصل القلبي والتلاقي الروحي بين بعض الأشخاص، صِلات قوية وصادقة وعميقة، حتى يحسبها الناس من فرط صدقها وحرارتها أنها رابطة رحم، بل وفي كثير من الأحيان تكون أقوى من رابطة الرحم نفسها. وفي النهاية كلها أعضاء بشرية، والإنسان هو من اختارها تشبيهاً ورمزاً. فالرحم يمثل الأم التي تجمع الإخوة جسداً، ولكن القلب يمثل الروح التي تجمع الغرباء حباً.

 

والواقع الذي نعيشه يثبت ذلك. كم من إخوة أشقاء من رحم واحد، يسكنون بيتاً واحداً ويأكلون من صحن واحد، لكن بينهم من الجفوة والقطيعة والخصام ما يفوق ما بين الغرباء؟ وكم من أبناء عمومة تفرقهم الميراث والأحقاد، فصار الرحم بينهم مجرد اسم في سجل الأسرة لا أكثر؟ ليست كل صلة رحم مترابطة، هذه هي الحقيقة المرة التي يجب أن نعترف بها. الرحم يجمعك بالدم، لكنه لا يضمن لك المحبة. أما صلة القلب فهي اختيار حر، اختيار نقي لا تفرضه عليك شهادة الميلاد.

 

تجربتي الشخصية المتواضعة في هذه الحياة علمتني هذا الدرس جيداً، وآمنت به حتى النخاع. تعرفت على الكثير من الناس، مرّ في حياتي المئات، لكنني اكتشفت أن القلب قادر هو أيضاً على أن يخلق رحماً آخر، رحماً معنوياً أوسع وأحن وأصدق. رحماً لا تحده قبيلة ولا تحدّه جهة. احتفظت بعلاقات قوية ومتينة مع أشخاص قابلتهم صدفة في دروب الحياة، فصاروا بالنسبة لي أرحم وأحن وأقرب من كثيرين تربطني بهم صلة الرحم.

 

بل إن هذا المبدأ آمنت به حتى في العالم الافتراضي، في مواقع التواصل الاجتماعي. فمعظم مجموعات التواصل اليوم لا تخرج عن إطار ضيق، إما مجموعة قبلية، أو مجموعة عائلية، أو مجموعة مهنية مغلقة، كل جماعة تنغلق على نفسها.

 

أما أنا فقد اخترت طريقاً آخر، طريق صلة القلب. أنشأت مجموعات تضم أشخاصاً لا يعرفون بعضهم البعض إطلاقاً، لا يجمعهم دم ولا قبيلة ولا جهة. وفي البداية، أقولها بصدق، كانوا يتوجسون خيفة من التواصل، وأحياناً حتى يرفضون الانضمام إلى مجموعتي تلك، لأن الفكرة كانت غريبة عليهم، كيف أتواصل مع شخص لا أعرفه ولا تربطني به صلة رحم أو قبيلة؟

 

ولكن بعد أن تابعوا ما أقدمه من محتوى يجمع ما بين الحكمة والخبر والطرفة والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، تغيرت نظرتهم تماماً. ذابت جليد الخوف، وسقطت حواجز التوجس، وتحول الغرباء إلى إخوة. واليوم، بفضل الله ثم بفضل صلة القلب هذه، عدد الذين يتواجدون في مجموعاتي يتجاوز العشرة آلاف متابع، عشرة آلاف قلب ينبضون بالمحبة والاحترام المتبادل، دون أن يسأل أحدهم الآخر عن قبيلته أو لونه.

 

وهذا دليل قاطع على أن الناس متعطشة لمن يجمعها بالمحبة لا بالقبلية.

 

تأملوا معي عالم الحيوان لتدركوا خطورة ما نفعله بأنفسنا. الأسود تعيش منفصلة عن الأفيال، والنمور بعيدة عن القرود، وكل جماعة تعيش في إطارها المغلق. فإذا حصرنا نحن البشر أنفسنا في إطار القبيلة، فما الذي يميزنا إذن؟ ما الذي يميزنا إن لم يكن التواصل والمحبة وحب الخير للجميع؟

 

أتذكر عندما كنت أعمل في موقع خدمي، كنت أقدم المساعدة لكل شخص يحضر باحثاً عن عمل دون أن أسأله من أين أنت. حينها استغرب بعضهم وقال لي أحدهم بدهشة: “لماذا تساعدنا؟ هل هناك صلة بيننا؟” قلت له: نعم، هناك صلة الإنسانية التي لا تعترف بالعرق أو اللون أو الدين. وما فعلته معك سأفعله مع غيرك، لأن هذه هي قناعتي.

 

إن الناس اليوم في أمس الحاجة إلى كسر هذا التقوقع المرير في إطار الرحم الضيق، لتخرج إلى رحاب القلب الواسع الذي يسع الجميع، فالرحم قد يجمعك بمن لا تحب رغماً عنك، لكن القلب لا يجمعك أبداً إلا بمن تحب ويحبك بصدق.

 

علاء الدين محمد ابكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى