مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب…. خروج الشعب السوداني.. رد كرامة للقيادة

ليس كل خروج إلى الشوارع يُحسب ثورة، وليس كل هتاف يُحسب موقفاً، لكن خروج الشعب السوداني في هذه المرحلة المفصلية من تاريخه، لم يكن مجرد خروج، بل كان بياناً سيادياً، ووثيقة شرف، ورد كرامة للقيادة وللشعب في آنٍ واحد.

 

لقد مر السودان خلال العامين الماضيين بأقسى اختبار يمكن أن تمر به دولة. حرب استهدفت العاصمة قبل الأطراف، واستهدفت الإنسان قبل المؤسسات، واستهدفت كرامة الدولة في جيشها وقيادتها ورمزيتها. وفي خضم هذه الحرب النفسية والعسكرية، اشتغلت ماكينة ضخمة، داخلية وخارجية، على فكرة واحدة: افصلوا الشعب عن قيادته، افصلوا الجيش عن حاضنته، صوروا القيادة كأنها تقاتل وحدها بلا سند، وصوروا الشعب كأنه ساخط وناقم وينتظر بديلاً مستورداً.

 

ثم جاء الرد. جاء من حيث لا يتوقعون. لم يأتِ من قاعة تفاوض ولا من بيان سفارة، بل جاء من تراب الشوارع، من حناجر الأمهات، ومن أكتاف الشباب.

 

لماذا خرج الشعب؟

 

خرج الشعب السوداني لأنه شعر أن الصمت لم يعد حياداً، بل أصبح خذلاناً. شعر أن قيادته التي لم تهرب من الخرطوم يوم سقطت المقار، ولم تساوم على وحدة السودان يوم عُرض عليها التقسيم مغلفاً بورق المبادرات، تستحق أن يرد لها الجميل في العلن.

 

خرج الناس ليقولوا للقيادة: نحن نراك. نرى ثباتك، ونرى صبرك، ونرى أنك تحملت ما لا تحمله الجبال، من طعنات الداخل وضغوط الخارج. فهذه كرامتك نردها إليك، لأنها من كرامتنا.

 

إن القيادة التي تنام في خندق واحد مع جنودها، وتأكل ما يأكله شعبها، وتخسر بيتها كما يخسر المواطن بيته، لا يمكن أن تُترك وحيدة في معركة الشرعية. الشرعية التي يحاول البعض نزعها في المنابر الدولية، أعادها الشعب اليوم في ميادين أم درمان وكرري وجبل أولياء والقضارف وكسلا وبورتسودان وعطبرة والدويم.

 

رد الكرامة ذو وجهين

 

هذا الخروج هو رد كرامة للقيادة، نعم، ولكنه في جوهره رد كرامة للشعب نفسه.

 

لقد قيل للشعب السوداني إنه شعب متعب، منقسم، نازح، لا يملك قراره، وسيقبل بأي تسوية تفرض عليه، حتى لو جاءت على ظهر دبابة المليشيا أو على ورق مشروع يفكك جيشه. فكان الخروج هو إعلان الاستقلال الثاني. استقلال القرار.

 

الشعب الذي خرج اليوم، خرج رغم أنه جائع، رغم أنه مكلوم، رغم أنه فقد بيته وولده ومدخرات عمره. ولو كان الأمر مجرد بحث عن لقمة عيش، لبقي في صفوف الإغاثة. لكنه خرج لأنه يدرك أن الكرامة قبل لقمة العيش، وأن الدولة قبل الرغيف، وأن الجيش قبل الحياد المصطنع.

 

الرسالة لمن؟

 

الرسالة الأولى للداخل: لكل من يحلم بأن يحكم السودان عبر فوهة بندقية المليشيا، أو عبر شرعية مزيفة يمنحها له الخارج. السودان لا يُحكم إلا برضا أهله، وأهله قالوا كلمتهم. لا مكان لمليشيا قتلت ونهبت واغتصبت في مستقبل هذا الشعب، ولا مكان لوصاية سياسية تريد أن تعيدها من النافذة بعد أن لفظها الشعب من الباب.

 

والرسالة الثانية للخارج: كفى عبثاً. السودان ليس أرضاً بلا شعب، ولا دولة بلا جيش. من أراد أن يتوسط، فليحترم إرادة هذا الشعب، ومن أراد أن يبادر، فليعلم أن مفتاح الحل في بورتسودان والخرطوم، وليس في عواصم تصنع المبادرات على مقاس مصالحها. الشعب الذي يملأ الشوارع دفاعاً عن قيادته وجيشه، لا يمكن أن تفرض عليه قيادة أخرى بالبريد الدبلوماسي.

 

*نقطة الضوء الحقيقية*

 

نقطة الضوء في هذا المشهد ليست في الحشود فقط، بل في المعادلة الجديدة التي رسمتها: *تلاحم القيادة والشعب هو صمام الأمان.*

 

فالشعب يستمد قوته من قيادة لم تتركه، والقيادة تستمد شرعيتها من شعب لم يخذلها. هذه هي المعادلة التي أسقطت كل رهانات التفكيك، وأفشلت كل مشاريع الهبوط الناعم.

 

لقد استعاد السودانيون اليوم ثقتهم بأنفسهم، وأثبتوا أنهم رغم الحرب، لا يزالون رقماً صعباً، وشعباً حياً، إذا قال كلمته، سكتت كل الأصوات النشاز.

 

خروج الشعب السوداني لم يكن احتفالاً عابراً، بل كان رد كرامة، ورد جميل، وإعلان وفاء. وفاء لقيادة ثبتت، ولجيش ضحى، ولدولة تريد أن تنهض من بين الركام أكثر قوة وكرامة.

 

وهذا هو السودان الذي نعرفه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى