مقالات الظهيرة

لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب… مجلس الأمن والخيبة الأمريكية

كأن ما يرتكبه الجيش الأمريكي من فظائع في حق الشعوب، قديمًا وحديثًا، ليس كافيًا لأن يدفع دم الحياء إلى وجه الأمريكي الوقح المدعو «بارتوس»، وهو يتطفل على الحقوق الإنسانية، ويبدي أساه على السودان ومجريات حربه، ويطلب، من وراء هذا الستار الدخاني المنافق، من أعضاء مجلس الأمن تمرير المسودة الأمريكية الشاملة في حق السودان، الذي تطلع أمريكا بملف عقوباته منذ العام ١٩٨٣م.

 

المسودة، في حقيقتها، هي وحي شياطين الإنس المعروفين، ورغائب العملاء الذين أفلت السودان من بين أيديهم، كما تفلت الفريسة من بين الناب والمخلب، ويكتب الله لها عمرًا جديدًا.

 

المسودة شملت حظر السلاح عن الجيش، وحظر الطيران لدى الجيش، وتشديد العقوبات إلى أقسى مما هي عليه.

 

الكلاب الأمريكية ـ بريطانيا وفرنسا ـ تجري حيث يشير سيدها، بعدما فقدت ألقها وبريق تاريخها، ولم تعد شيئًا ذا قيمة إلا في كنف سيدها الأمريكي. قالتا: لا نرى إلا ما تراه أمريكا.

 

غير أن في مجلس الأمن دولًا ترى بعين فاحصة، ولا يغرها الكذب الأمريكي المعتاد، وطالما شرب مجلس الأمن من مقالب الاحتيال والكذب الأمريكي.

 

السيدة المحترمة «آنا»، نائبة المندوب الروسي، أفحمت بحجتها البالغة الحجة الأمريكية، عندما طرحت التساؤل المنطقي: لماذا لم يُعرض هذا الحظر وهذا التشديد عام ٢٠٢٣م؟ يوم كانت المليشيا تحكم السيطرة على غالب الولايات السودانية، وتوشك أن تحسم الأمر لمصلحتها، ومن يدعمها من هؤلاء المتنطعين؟!

 

المجموعة الإفريقية: الكونغو، وليبيريا، والصومال، فضلًا عن باكستان، كلهم وقفوا ضد المسودة الأمريكية المشبوهة، حيث احتلت الرشوة مساحات مهولة في حيز السياسة الأمريكية حاليًا، لدرجة تداولها في الكونغرس، وذكر عائلة ترامب، ومندوبه للشرق الأوسط مسعد بولس. وبالتالي، الأمر ينسحب على جميع من تداول هذا الملف السوداني، ليجيره لمصلحة المشروع الصهيوني، وخدمه المعروفين في الإقليم، وخدم خدمهم في كراسي الحكام الأفارقة في دول الجوار.

 

الموقف الصيني مشرف كالعادة؛ وقف في وجه المسودة الأمريكية التي تستثمر في دماء الأبرياء وخراب الديار، كما تفعل الآن في إيران، فبالحساب هي ليست ولية الإنسانية بالتأكيد، بل تقف في الجانب الآخر تمامًا، حيث رفضت الصين مبدأ توسيع العقوبات، لما يسببه من أضرار بسيادة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها من اعتداءات المليشيا.

 

الذين روجوا لهذه المسودة المشؤومة، وقدموا بين يديها التقارير المفبركة، خاصة ما نشرته صحيفتا «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» بالتزامن، حتى تغطيا أوسع مساحة في الرأي العام، وحتى تتضامنا معًا لتأكيد مصداقية التقرير، وما سبق ذلك من إعلانات مدفوعة القيمة في صفحات تجارية؛ كل هذا يؤكد قطعًا أن هذا الأمر مدبر له ومخطط لسياقته إلى منتهاه، الطامح إلى تجريد الجيش السوداني من سلاحه، وربط يديه، مع إطلاق أيدي المليشيا بالسلاح المتدفق من دول الجوار التي لا يشملها حظر: ليبيا، وتشاد، وإفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وإثيوبيا؛ كلها طرق إمداد مفتوحة.

 

وعليه، ستكون هزيمة الجيش السوداني بمثل هذا التدبير، بعدما نجا من كل خيوط التدابير التي سبقت أبريل ٢٠٢٣م، حيث تكاملت جهود السفراء ـ إياهم ـ والقحاطة والمليشيا، على حسم الأمر بالقوة.

 

نعم، يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين، وعنوان ذلك هو الفشل الذريع الذي أصاب خطتهم، وهروب قياداتهم، وهلاك جندهم، وخسارتهم التي لن تُعوَّض أبدًا، أبدًا، بحول الله. ومشهد البعاتي حميدتي وأخوه الشقي عبد الرحيم أفضل مقارنة يمكن مشاهدتها ما بين حال وحال.

 

الآن، الخيبة الأمريكية في مجلس الأمن كانت بجلاجل؛ أصابت أمريكا وكلبيها، بريطانيا وفرنسا، وأصابتهم في مقتل، وبدا عجزهم جميعًا عن التأثير حتى على دول ضعيفة نسبيًا، مثل الصومال والكونغو وليبيريا، لكنه الحق الأبلج.

 

ابتلع الأمريكي الوقح «بارتوس»، وقبل بتمديد شهر، عسى أن ينجح في محاولات لاحقة، بلع ريقه وغصصه المرة، وطوى ذيله بين فخذيه من الخلف، وخسر رهانه، وخسر جائزته الموعودة خارج القاعة، في الحقيبة الجلدية السوداء التي يحملها ذلك الشاب المتنكر في بدلته الرسمية، يرقب من وراء نظارته المظللة شاشة هاتفه في قلق، ويتحسس العرق البارد يسري في جسده، برغم طراوة التكييف.

 

إنه السودان يا «طير»، تحرسه العناية الإلهية، ويذود عنه جيش بعظمة وجسارة الجيش السوداني، ويسد آفاقه شباب متحمسون لا يثنيهم عن الإقدام خوف ولا تردد.

 

أمريكا، بكل ما تدعيه من عظمة، وبكل ما عندها من عُرض الدنيا، تخيب، وتخسر على مائدة مجلس الأمن، ويكسب الحق الذي هو مع الموقف السوداني.

 

شكرًا لروسيا والصين، والدول الإفريقية الثلاث، وباكستان والجزائر.

 

الموعد المضروب للخيبة الثانية، إن شاء الله، بعد شهر، ولن يتغير خلاله الموقف الروسي والصيني بالتأكيد.

 

ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى