سلوى أحمد موية تكتب… اناقة المركوب وجذور الهوية!!

ياسمح يا زين يا بلدي يا حبوب أبو جلابية وتوب وجرجار ومركوب
بهذه الكلمات الخالدة تغنّى أسطورة الطرب السوداني محمد وردي بكلمات الشاعر سيد أحمد الحردلو مادحآ الزي القومي الذي يُجسد روح الهوية السودانية وكان المركوب حاضرًا في هذا المشهد التراثي ليست كمجرد حذاء بل كرمز عميق للأصالة والفخر تبدأ مراحل تصنيعه بدبغ الجلود وتجفيفها ثم يُدهن جلد البقر المستخدم في الأرضية بالقطران لمزيد من المتانة والحماية أما الجزء العلوي فعادةً ما يُصنع من جلود الماعز أو التيس ويُخاط بخيوط قطنية متينة
على يد حرفيين مهرة يُعرفون محليآ باسم (النُقُلتِيّة) أو (الإسكافية) المنتشرين في مختلف أنحاء السودان تشتهر مناطق عدة بصناعة المركوب ولكن إقليم دارفور يحتل مكانة خاصة
حيث يُعد مركوب الفاشر من أفخم الأنواع وأمتنها ويتميز مركوب الجنينة بخفة وزنه وجودته العالية وهنالك مركوب الجزيرة أبا كما تبرز مدينة الأبيض كأحد المراكز الحرفية النشطة وتضم واحد من أشهر أسواق المراكيب في السودان والمركوب حذاء رجالي يُعد من أهم الملامح التي تشكّل الهوية السودانية إضافة إلى العمامة البيضاء والجلابية والسروال والصديري والملّفح وبتكاملهم يتمثل الزي السوداني القومي وفي السابق كان هنالك مركوب للنساء ولكنه توارى حاليآ.
ويُصنع المركوب من جلد النمر وهو الأغلى ثمنآ ولا يلبسه إلا الأغنياء والاثرياء ورجال الاعمال وهنالك مركوب جلد ثعبان الأصلة وهو متوسط الثمن وجلد البقر والغنم ومركوب النمر ومركوب الفهد وحتى جلد التمساح يصنع منه المركوب، السودانيون بطبعهم
يحبون ارتداءه في صلاة العيدين وهو أحد رموز ثقافة السودان ومحل إعجاب الكثير من سياح السودان. فقد ابتكرت عبقرية السودانيين في دارفور المركوب الذي ينتعله اغلب السودانيين حتى صار حذاءً قوميًا غير مرتبط بجهة أو منطقة محددة وارتبط اسم المركوب في الأسواق بمكان الصنع مثل مركوب الفاشر والجنينة وذلك لجودة المنتج المصّنع في ولايات دارفور.
بجانب الجلود يصنع المركوب من الربل والمسامير والخيوط والشمع ومادة لاصقة تسمى النوكرين.
ويأخذ المركوب أشكالآ وأنواعآ وتصاميم مختلفة أبرزها مركوب الجنينة الذي يصنع من جلد الماعز بجانب مركوب النمر بلونه النمري والأصلة الجميل والقطيفة الناعم وهذا نادر الصنع. وهي صناعة قديمة في السودان ولا يعرف لها تاريخ دقيق بدأت فيه سوى أنها حرفة متوارثة من الأجداد وقد وفرّت حرفة صناعة المراكيب آلاف الوظائف للمشتغلين في المجال بدءءآ بالإسكافي الذي ينتج المركوب مرورآ بالتجّار الذين يعملون في بيع وشراء الجلود ودباغتها بجانب الأدوات الأخرى التي تستخدم في إنتاجها تأثرت صناعة المراكيب في السودان كغيرها من الصناعات والحرف بحرب الكرامة حيث أثرّت على الكميات المنتجة لعدم توفر المادة الخام التي تجلب من مناطق متفرقة وتوقفت بسبب الحرب باستثناء الجلود التي تنتج محليًا وتتفوق الجلود النيجيرية على الجلود السودانية لأن شكلها أجمل بسبب البيئة الغابية وتوفّر الأشجار والمياه وتتميز بالألوان والخطوط السوداء الداكنة أما السودانية فلونها يميل للابيض جلود الثعابين تستجلب من ولاية جنوب كردفان منطقة العباسية تقلي. وظلّت صناعة
المراكيب في السودان تقليدية وإنتاجها بطيء وضعيف دون أن تتطور ومع ذلك حافظت على استمراريتها وجودتها ومنافستها للماركات العالمية. فالمركوب ليس فقط حذاءآ مناسبآ لطبيعة السودان من أمطار ورطوبة بل هو عنصر أصيل في المناسبات والأعياد يُكمل به السودانيون زيّهم التقليدي ومع شكله البسيط إلا أنه يحمل في طياته عقودآ من الحرفة والهوية والذوق الرفيع .



